ويبدو التناسق في هذا الختام في عموم النصوص وشمولها،سواء في صدر الآية أم في ختامها.وكأنما هي الإيقاع الأخير الشامل القصير ..
«الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ» ..هكذا بوجه عام يشمل جميع أنواع الأموال ..
«بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ.سِرًّا وَعَلانِيَةً» ..لتشمل جميع الأوقات وجميع الحالات ..
«فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ» ..هكذا إطلاقا.من مضاعفة المال.وبركة العمر.وجزاء الآخرة.ورضوان اللّه.
«وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» ..لا خوف من أي مخوف،ولا حزن من أي محزن ..في الدنيا وفي الآخرة سواء ..إنه التناسق في ختام الدستور القويم يوحي بذلك الشمول والتعميم ..
وبعد فإن الإسلام لا يقيم حياة أهله على العطاء.فإن نظامه كله يقوم أولا على تيسير العمل والرزق لكل قادر وعلى حسن توزيع الثروة بين أهله بإقامة هذا التوزيع على الحق والعدل بين الجهد والجزاء ..ولكن هنالك حالات تتخلف لأسباب استثنائية وهذه هي التي يعالجها بالصدقة ..مرة في صورة فريضة تجبيها الدولة المسلمة المنفذة لشريعة اللّه كلها وهي وحدها صاحبة الحق في جبايتها:وهي مورد هام من موارد المالية العامة للدولة المسلمة.ومرة في صورة تطوع غير محدود يؤديه القادرون للمحتاجين رأسا.مع مراعاة الآداب التي سبق بيانها.وبضمانة تعفف الآخذين ..هذا التعفف الذي تصف هذه الآية صورة منه واضحة.وقد رباه الإسلام في نفوس أهله فإذا أحدهم يتحرج أن يسأل وله أقل ما يكفيه في حياته ..
روى البخاري عن شَرِيكَ بْنِ أَبِى نَمِرٍ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِى عَمْرَةَ الأَنْصَارِىَّ قَالاَ سَمِعْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - يَقُولُ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِى تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ وَلاَ اللُّقْمَةُ وَلاَ اللُّقْمَتَانِ .إِنَّمَا الْمِسْكِينُ الَّذِى يَتَعَفَّفُ وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ يَعْنِى قَوْلَهُ ( لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ) [1] .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ،وَالأَكْلَةُ وَالأَكْلَتَانِ،وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَا يَسْتَغْنِي بِهِ،وَلاَ يُعْلَمُ بِحَاجَتِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ،فَذَلِكَ الْمَحْرُومُ. [2]
وروى الإمام أحمد عَنْ رَجُلٍ،مِنْ مُزَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَتْ لَهُ أُمُّهُ:أَلاَ تَنْطَلِقُ فَتَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَمَا يَسْأَلُهُ النَّاسُ،فَانْطَلَقْتُ أَسْأَلُهُ،فَوَجَدْتُهُ قَائِمًا يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ:مَنْ اسْتَعَفَّ أَعَفَّهُ اللَّهُ،وَمَنْ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ
(1) - صحيح البخارى- المكنز [15 /41] (4539 )
(2) - صحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [8 /139] (3351) صحيح زيادة مني