وأمامه اليوم من واقع العالم ما يصدّق كل كلمة تصديقا حيا مباشرا واقعا.والبشرية الضالة التي تأكل الربا وتوكله تنصب عليها البلايا الماحقة الساحقة من جراء هذا النظام الربوي،في أخلاقها ودينها وصحتها واقتصادها.
وتتلقى - حقا - حربا من اللّه تصب عليها النقمة والعذاب ..أفرادا وجماعات،وأمما وشعوبا،وهي لا تعتبر ولا تفيق! وحينما كان السياق يعرض في الدرس السابق دستور الصدقة كان يعرض قاعدة من قواعد النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي يريد اللّه للمجتمع المسلم أن يقوم عليه،ويحب للبشرية أن تستمتع بما فيه من رحمة ..
في مقابل ذلك النظام الآخر الذي يقوم على الأساس الربوي الشرير القاسي اللئيم.
إنهما نظامان متقابلان:النظام الإسلامي.والنظام الربوي! وهما لا يلتقيان في تصور،ولا يتفقان في أساس ولا يتوافقان في نتيجة ..إن كلا منهما يقوم على تصور للحياة والأهداف والغايات يناقض الآخر تمام المناقضة.وينتهي إلى ثمرة في حياة الناس تختلف عن الأخرى كل الاختلاف ..ومن ثم كانت هذه الحملة المفزعة،وكان هذا التهديد الرعيب! إن الإسلام يقيم نظامه الاقتصادي - ونظام الحياة كلها - على تصور معين يمثل الحق الواقع في هذا الوجود.
يقيمه على أساس أن اللّه - سبحانه - هو خالق هذا الكون.فهو خالق هذه الأرض،وهو خالق هذا الإنسان ..هو الذي وهب كل موجود وجوده ..
وأن اللّه - سبحانه - وهو مالك كل موجود بما أنه هو موجده قد استخلف الجنس الإنساني في هذه الأرض ومكنه مما ادخر له فيها من أرزاق وأقوات ومن قوى وطاقات،على عهد منه وشرط.ولم يترك له هذا الملك العريض فوضى،يصنع فيه ما يشاء كيف شاء.وإنما استخلفه فيه في اطار من الحدود الواضحة.استخلفه فيه على شرط أن يقوم في الخلافة وفق منهج اللّه،وحسب شريعته.فما وقع منه من عقود وأعمال ومعاملات وأخلاق وعبادات وفق التعاقد فهو صحيح نافذ.وما وقع منه مخالفا لشروط التعاقد فهو باطل موقوف.فإذا أنفذه قوة وقسرا فهو إذن ظلم واعتداء لا يقره اللّه ولا يقره المؤمنون باللّه.فالحاكمية في الأرض - كما هي في الكون كله - للّه وحده.والناس - حاكمهم ومحكممهم - إنما يستمدون سلطاتهم من تنفيذهم لشريعة اللّه ومنهجه،وليس لهم - في جملتهم - أن يخرجوا عنها،لأنهم إنما هم وكلاء مستخلفون في الأرض بشرط وعهد وليسوا ملاكا خالقين لما في أيديهم من أرزاق.
من بين بنود هذا العهد أن يقوم التكافل بين المؤمنين باللّه،فيكون بعضهم أولياء بعض،وأن ينتفعوا برزق اللّه الذي أعطاهم على أساس هذا التكافل - لا على قاعدة الشيوع المطلق كما تقول الماركسية.ولكن على أساس الملكية الفردية المقيدة - فمن وهبه اللّه منهم سعة أفاض من سعته على من قدر عليه رزقه.مع تكليف الجميع بالعمل كل حسب طاقته واستعداده وفيما يسره اللّه له - فلا