يكون أحدهم كلّا على أخيه أو على الجماعة وهو قادر كما بينا ذلك من قبل.وجعل الزكاة فريضة في المال محددة.والصدقة تطوعا غير محدد.
وقد شرط عليهم كذلك أن يلتزموا جانب القصد والاعتدال،ويتجنبوا السرف والشطط فيما ينفقون من رزق اللّه الذي أعطاهم وفيما يستمتعون به من الطيبات التي أحلها لهم.ومن ثم تظل حاجتهم الاستهلاكية للمال والطيبات محدودة بحدود الاعتدال.وتظل فضلة من الرزق معرضة لفريضة الزكاة وتطوع الصدقة.وبخاصة أن المؤمن مطالب بتثمير ماله وتكثيره.
وشرط عليهم أن يلتزموا في تنمية أموالهم وسائل لا ينشأ عنها الأذى للآخرين،ولا يكون من جرائها تعويق أو تعطيل لجريان الأرزاق بين العباد،ودوران المال في الأيدي على أو سع نطاق: «كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ» ..
وكتب عليهم الطهارة في النبية والعمل،والنظافة في الوسيلة والغاية،وفرض عليهم قيودا في تنمية المال لا تجعلهم يسلكون إليها سبلا تؤذي ضمير الفرد وخلقه،أو تؤذي حياة الجماعة وكيانها [1] .
وأقام هذا كله على أساس التصور الممثل لحقيقة الواقع في هذا الوجود وعلى أساس عهد الاستخلاف الذي يحكم كل تصرفات الإنسان المستخلف في هذا الملك العريض ..
ومن ثم فالربا عملية تصطدم ابتداء مع قواعد التصور الإيماني إطلاقا ونظام يقوم على تصور آخر.تصور لا نظر فيه للّه سبحانه وتعالى.ومن ثم لا رعاية فيه للمباديء والغايات والأخلاق التي يريد اللّه للبشر أن تقوم حياتهم عليها.
إنه يقوم ابتداء على أساس أن لا علاقة بين إرادة اللّه وحياة البشر.فالإنسان هو سيد هذه الأرض ابتداء وهو غير مقيد بعهد من اللّه وغير ملزم باتباع أوامر اللّه! ثم إن الفرد حر في وسائل حصوله على المال،وفي طرق تنميته،كما هو حر في التمتع به.غير ملتزم في شيء من هذا بعهد من اللّه أو شرط وغير مقيد كذلك بمصلحة الآخرين.ومن ثم فلا اعتبار لأن يتأذى الملايين إذا هو أضاف إلى خزانته ورصيده ما يستطيع إضافته.وقد تتدخل القوانين الوضعية أحيانا في الحد
من حريته هذه - جزئيا - في تحديد سعر الفائدة مثلا وفي منع أنواع من الاحتيال والنصب والغصب والنهب،والغش والضرر.ولكن هذا التدخل يعود إلى ما يتواضع عليه الناس أنفسهم،وما تقودهم إليه أهواؤهم لا إلى مبدأ ثابت مفروض من سلطة إلهية! كذلك يقوم على أساس تصور خاطئ فاسد.هو أن غاية الغايات للوجود الإنساني هي تحصيله للمال - بأية وسيلة - واستمتاعه به على النحو الذي يهوى! ومن ثم يتكالب على جمع المال وعلى المتاع به ويدوس في الطريق كل مبدأ وكل صالح للآخرين! ثم ينشئ في النهاية نظاما يسحق البشرية سحقا،ويشقيها في حياتها أفرادا وجماعات ودولا
(1) - يراجع فصل «سياسة المال» في كتاب: «العدالة الاجتماعية في الإسلام» . «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )