فهرس الكتاب

الصفحة 591 من 4997

يكون خروجا منكم عن شريعة اللّه ومخالفة عن طريقه.وهو احتياط لا بد منه.لأن الكتّاب والشهداء معرضون لسخط أحد الفريقين المتعاقدين في أحيان كثيرة.فلا بد من تمتعهم بالضمانات التي تطمئنهم على أنفسهم،وتشجعهم على أداء واجبهم بالذمة والأمانة والنشاط في أداء الواجبات،والحيدة في جميع الأحوال.ثم - وعلى عادة القرآن في إيقاظ الضمير،واستجاشة الشعور كلما هم بالتكليف،ليستمد التكليف دفعته من داخل النفس،لا من مجرد ضغط النص - يدعو المؤمنين إلى تقوى اللّه في النهاية ويذكرهم بأن اللّه هو المتفضل عليهم،وهو الذي يعلمهم ويرشدهم،وأن تقواه تفتح قلوبهم للمعرفة وتهيئ أرواحهم للتعليم،ليقوموا بحق هذا الإنعام بالطاعة والرضى والإذعان: «وَاتَّقُوا اللَّهَ.وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ.وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» .

ثم يعود المشرع إلى تكملة في أحكام الدين،أخرها في النص لأنها ذات ظروف خاصة،فلم يذكرها هناك في النص العام ..ذلك حين يكون الدائن والمدين على سفر فلا يجدان كاتبا.فتيسيرا للتعامل،مع ضمان الوفاء،رخص الشارع في التعاقد الشفوي بلا كتابة مع تسليم رهن مقبوض للدائن ضامن للدين: «وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ» .

وهنا يستجيش الشارع ضمائر المؤمنين للأمانة والوفاء بدافع من تقوى اللّه.فهذا هو الضمان الأخير لتنفيذ التشريع كله،ولرد الأموال والرهائن إلى أصحابها،والمحافظة الكاملة عليها: «فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ» .

والمدين مؤتمن على الدين،والدائن مؤتمن على الرهن وكلاهما مدعو لأداء ما اؤتمن عليه باسم تقوى اللّه ربه.والرب هو الراعي والمربي والسيد والحاكم والقاضي.وكل هذه المعاني ذات إيحاء في موقف التعامل والائتمان والأداء ..وفي بعض الآراء أن هذه الآية نسخت آية الكتابة في حالة الائتمان.ونحن لا نرى هذا،فالكتابة واجبة في الدين إلا في حالة السفر.والائتمان خاص بهذه الحالة.والدائن والمدين كلاهما - في هذه الحالة - مؤتمن.

وفي ظل هذه الاستجاشة إلى التقوى،يتم الحديث عن الشهادة - عند التقاضي في هذه المرة لا عند التعاقد - لأنها أمانة في عنق الشاهد وقلبه: «وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ.وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ» .

ويتكئ التعبير هنا على القلب.فينسب إليه الإثم.تنسيقا بين الإضمار للإثم،والكتمان للشهادة.فكلاهما عمل يتم في أعماق القلب.ويعقب عليه بتهديد ملفوف.فليس هناك خاف على اللّه.

«وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ» .وهو يجزي عليه بمقتضى علمه الذي يكشف الإثم الكامن في القلوب! ثم يستمر السياق في توكيد هذه الإشارة،واستجاشة القلب للخوف من مالك السماوات والأرض وما فيهما،العليم بمكنونات الضمائر خفيت أم ظهرت،المجازي عليها،المتصرف في مصائر العباد بما يشاء من الرحمة والعذاب،القدير على كل شيء تتعلق به مشيئته بلا تعقيب! «لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت