إن الذي يمتلئ شعوره بوجود اللّه الواحد الذي لا إله إلا هو.الحي الواحد الذي لا حي غيره.القيوم الواحد الذي به تقوم كل حياة أخرى وكل وجود،كما أنه هو الذي يقوم على كل حي وكل موجود ..
إن الذي يمتلئ شعوره بوجود اللّه الواحد الذي هذه صفته،لا بد أن يختلف منهج حياته ونظامها من الأساس عن الذي تغيم في حسه تلك التصورات التائهة المهوشة.فلا يجد في ضميره أثرا لحقيقة الألوهية الفاعلة المتصرفة في حياته! إنه مع التوحيد الواضح الخالص لا مكان لعبودية إلا للّه.ولا مكان للاستمداد والتلقي إلا من اللّه.لا في شريعة أو نظام،ولا في أدب أو خلق.ولا في اقتصاد أو اجتماع.ولا مكان كذلك للتوجه لغير اللّه في شأن من شؤون الحياة،وما بعد الحياة ..أما في تلك التصورات الزائغة المنحرفة المهزوزة الغامضة فلا متجه ولا قرار،ولا حدود لحرام أو حلال،ولا لخطإ أو صواب:في شرع أو نظام،في أدب أو خلق،وفي معاملة أو سلوك ..فكلها ..كلها ..إنما تتحدد وتتضح عند ما تتحدد الجهة التي منها التلقي،وإليها التوجه،ولها الطاعة والعبودية والاستسلام.
ومن ثم كانت هذه المواجهة بذلك الحسم في مفرق الطريق: «اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ» ..
ومن ثم كان التميز والتفرد لطبيعة الحياة الإسلامية - لا لطبيعة الاعتقاد وحده - فالحياة الإسلامية بكل مقوماتها إنما تنبثق انبثاقا من حقيقة هذا التصور الإسلامي عن التوحيد الخالص الجازم.التوحيد الذي لا يستقيم عقيدة في الضمير ما لم تتبعه آثاره العملية في الحياة.من تلقي الشريعة والتوحيد من اللّه في كل شأن من شؤون الحياة.والتوجه كذلك إلى اللّه في كل نشاط وكل اتجاه.
وعقب هذا الإيضاح الحاسم في مفرق الطريق،بإعلان الوحدانية المطلقة لذات اللّه وصفاته،يجيء الحديث عن وحدانية الجهة التي تتنزل منها الأديان والكتب والرسالات.أي التي يتنزل منها المنهج الذي يصرف حياة البشر في جميع الأجيال: «نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ - مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ - وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ - هُدىً لِلنَّاسِ - وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ.إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ.وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ» .
وتتضمن هذه الآية في شطرها الأول جملة حقائق أساسية في التصور الاعتقادي،وفي الرد كذلك على أهل الكتاب وغيرهم من المنكرين لرسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - وصحة ما جاء به من عند اللّه.
فهي تقرر وحدة الجهة التي تتنزل منها الكتب على الرسل.فاللّه الذي لا إله إلا هو الحي القيوم،هو الذي نزل هذا القرآن - عليك - كما أنه أنزل التوراة على موسى والإنجيل على عيسى من قبل.وإذن فلا اختلاط ولا امتزاج بين الألوهية والعبودية.إنما هناك إله واحد ينزل الكتب على المختارين من عباده.وهناك عبيد يتلقون.وهم عبيد للّه ولو كانوا أنبياء مرسلين.