والبنات! فإذا قرر لهؤلاء وهؤلاء أن اللّه - سبحانه - شهد أنه لا إله إلا هو،فهذا مؤثر قوي في تصحيح تصوراتهم.
على أن الأمر - كما يبدو من متابعة السياق كما تابعناه فيما تقدم - أعمق من هذا وأدق.فإن شهادة اللّه سبحانه - بأنه لا إله إلا هو،مسوقة هنا ليساق بعدها ما هو من مستلزماتها وهو أنه لا يقبل إذن من العباد إلا العبودية الخالصة له.الممثلة في الإسلام بمعنى الاستسلام - لا اعتقادا وشعورا فحسب - ولكن كذلك عملا وطاعة واتباعا للمنهج العملي الواقعي المتمثل في أحكام الكتاب ..ومن هذه الناحية نجد كثيرين في كل زمان يقولون:إنهم يؤمنون باللّه،ولكنهم يشركون معه غيره في الألوهية،حين يتحاكمون إلى شريعة من صنع غيره،وحين يطيعون من لا يتبع رسوله وكتابه وحين يتلقون التصورات والقيم والموازين والأخلاق والآداب من غيره ..فهذه كلها تناقض القول بأنهم يؤمنون باللّه.ولا تستقيم مع شهادة اللّه - سبحانه - بأنه لا إله إلا هو.
وأما شهادة الملائكة وشهادة أولي العلم،فهي متمثلة في طاعتهم لأوامر اللّه وحدها.والتلقي عن اللّه وحده،والتسليم بكل ما يجيئهم من عنده بدون تشكك ولا جدال،متى ثبت لهم أنها من عنده.وقد سبق في السورة بيان حال أولي العلم هؤلاء في قوله: «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ:آمَنَّا بِهِ،كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا» ..فهذه شهادة أولي العلم وشهادة الملائكة:تصديق.وطاعة.واتباع.واستسلام.
وشهادة اللّه سبحانه وشهادة الملائكة وأولي العلم بوحدانية اللّه يصاحبها شهادتهم بأنه - تعالى - قائم بالقسط بوصفها حالة ملازمة للألوهية. «شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ - وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ - قائِمًا بِالْقِسْطِ» ..فهي حالة ملازمة للألوهية كما تفيد صياغة العبارة.وهذا إيضاح للقوامة التي وردت في مطلع السورة: «اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ» ..فهي قوامة بالقسط.
وتدبير اللّه لهذا الكون ولحياة الناس متلبس دائما بالقسط - وهو العدل - فلا يتحقق العدل المطلق في حياة الناس،ولا تستقيم أمورهم استقامة أمور الكون،التي يؤدي كل كائن معها ذوره في تناسق مطلق مع دور كل كائن آخر ..لا يتحقق هذا إلا بتحكيم منهج اللّه الذي اختاره لحياة الناس،وبينه في كتابه.وإلا فلا قسط ولا عدل،ولا استقامة ولا تناسق،ولا تلاؤم بين دورة الكون ودورة الإنسان.وهو الظلم إذن والتصادم والتشتت والضياع! وها نحن أولاء نرى على مدار التاريخ أن الفترات التي حكم فيها كتاب اللّه وحدها هي التي ذاق فيها الناس طعم القسط،واستقامت حياتهم استقامة دورة الفلك - بقدر ما تطيق طبيعة البشر المتميزة بالجنوح إلى الطاعة والجنوح إلى المعصية،والتأرجح بين هذا وذاك والقرب من الطاعة كلما قام منهج اللّه،وحكم في حياة الناس كتاب اللّه.وأنه حيثما حكم في حياة الناس منهج آخر من صنع البشر،لازمه جهل البشر وقصور البشر.كما لازمه الظلم والتناقض في صورة من الصور.ظلم الفرد للجماعة.أو ظلم الجماعة للفرد.أو ظلم طبقة لطبقة.