«وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ» ..فدعوا إلى الخير والصلاح،ودفعوا إليه الناس .. «وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ» ..فقاوموا الشر والفساد،وحققوا بهذا وذاك صفة الأمة المسلمة التي لا تبقى على منكر وهي قادرة على تغييره،ولا تقعد عن معروف وهي قادرة على تحقيقه ..
هؤلاء هم الذين ينصرون اللّه،إذ ينصرون نهجه الذي أراده للناس في الحياة،معتزين باللّه وحده دون سواه.وهؤلاء هم الذين يعدهم اللّه بالنصر على وجه التحقيق واليقين.
فهو النصر القائم على أسبابه ومقتضياته.المشروط بتكاليفه وأعبائه ..والأمر بعد ذلك للّه،يصرفه كيف يشاء،فيبدل الهزيمة نصرا،والنصر هزيمة،عند ما تختل القوائم،أو تهمل التكاليف: «وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ» ..
إنه النصر الذي يؤدي إلى تحقيق المنهج الإلهي في الحياة.من انتصار الحق والعدل والحرية المتجهة إلى الخير والصلاح.المنظور فيه إلى هذه الغاية التي يتوارى في ظلها الأشخاص والذوات،والمطامع والشهوات ..وهو نصر له سببه.وله ثمنه.وله تكاليفه.وله شروطه.فلا يعطى لأحد جزافا أو محاباة ولا يبقى لأحد لا يحقق غايته ومقتضاه .. [1]
وقال رحمه الله في الرد على من يقول لماذا لم يفرض الجهاد في ( العهد المكي ) :"«ربما كان ذلك لأن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد،في بيئة معينة،لقوم معينين،وسط ظروف معينة. ومن أهداف التربية والإعداد في مثل هذه البيئة بالذات،تربية نفس الفرد العربي على الصبر على ما لا يصبر عليه عادة من الضيم على شخصه أو على من يلوذون به. ليخلص من شخصه،ويتجرد من ذاته،ولا تعود ذاته ولا من يلوذون به محور الحياة في نظره ودافع الحركة في حياته. وتربيته كذلك على ضبط أعصابه،فلا يندفع لأول مؤثر - كما هي طبيعته - ولا يهتاج لأول مهيج،ليتم الاعتدال في طبيعته وحركته."
وتربيته على أن يتبع مجتمعا منظما له قيادة يرجع إليها في كل أمر من أمور حياته،ولا يتصرف إلا وفق ما تأمره به - مهما يكن مخالفا لمألوفه وعادته - وقد كان هذا هو حجر الأساس في إعداد شخصية العربي،لإنشاء «المجتمع المسلم» الخاضع لقيادة موجهة،المترقي المتحضر،غير الهمجي أو القبلي! «وربما كان ذلك أيضا،لأن الدعوة السلمية كانت أشد أثرا وأنفذ،في مثل بيئة قريش،ذات العنجهية والشرف والتي قد يدفعها القتال معها - في مثل هذه المرحلة - إلى زيادة العناد،وإلى نشأة ثارات دموية جديدة كثارات العرب المعروفة التي أثارت حرب داحس والغبراء،وحرب البسوس،أعواما طويلة،تفانت فيها قبائل برمتها. وتكون هذه الثارات الجديدة مرتبطة في أذهانهم وذكرياتهم بالإسلام. فلا تهدأ بعد ذلك أبدا. ويتحول الإسلام من دعوة إلى ثارات وذحول تنسى
(1) - في ظلال القرآن - دار الشروق ـ القاهرة [4 /2426]