فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 4997

معها وجهته الأساسية،وهو في مبدئه،فلا تذكر أبدا! «وربما كان ذلك أيضا،اجتنابا لإنشاء معركة ومقتلة في داخل كل بيت. فلم تكن هناك سلطة نظامية عامة،هي التي تعذب المؤمنين وتفتنهم. إنما كان ذلك موكولا إلى أولياء كل فرد،يعذبونه ويفتنونه «ويؤدبونه!» ومعنى الإذن بالقتال - في مثل هذه البيئة - أن تقع معركة ومقتلة في كل بيت .. ثم يقال:

هذا هو الإسلام! ولقد قيلت حتى والإسلام يأمر بالكف عن القتال! فقد كانت دعاية قريش في الموسم،في أوساط العرب القادمين للحج والتجارة:إن محمدا يفرق بين الوالد وولده،فوق تفريقه لقومه وعشيرته! فكيف لو كان كذلك يأمر الولد بقتل الوالد،والمولى بقتل الولي .. في كل بيت وفي كل محلة؟

« وربما كان ذلك أيضا لما يعلمه اللّه من أن كثيرين من المعاندين الذين يفتنون أوائل المسلمين عن دينهم،ويعذبونهم ويؤذونهم،هم بأنفسهم سيكونون من جند الإسلام المخلص،بل من قادته .. ألم يكن عمر بن الخطاب من بين هؤلاء؟! «وربما كان ذلك أيضا،لأن النخوة العربية،في بيئة قبلية،من عادتها أن تثور للمظلوم الذي يحتمل الأذى،ولا يتراجع! وبخاصة إذا كان الأذى واقعا على كرام الناس فيهم .. وقد وقعت ظواهر كثيرة تثبت صحة هذه النظرة - في هذه البيئة - فابن الدغنة لم يرض أن يترك أبا بكر - وهو رجل كريم - يهاجر ويخرج من مكة،ورأى في ذلك عارا على العرب! وعرض عليه جواره وحمايته .. وآخر هذه الظواهر نقض صحيفة الحصار لبني هاشم في شعب أبي طالب،بعد ما طال عليهم الجوع واشتدت المحنة .. بينما في بيئة أخرى من بيئات «الحضارة» القديمة التي مردت على الذل،قد يكون السكوت على الأذى مدعاة للهزء والسخرية والاحتقار من البيئة،وتعظيم المؤذي الظالم المعتدي!

«وربما كان ذلك،أيضا،لقلة عدد المسلمين حينذاك،وانحصارهم في مكة،حيث لم تبلغ الدعوة إلى بقية الجزيرة. أو بلغت أخبارها متناثرة،حيث كانت القبائل تقف على الحياد من معركة داخلية بين قريش وبعض أبنائها،حتى ترى ماذا يكون مصير الموقف. ففي مثل هذه الحالة قد تنتهي المعركة المحدودة،إلى قتل المجموعة المسلمة القليلة - حتى ولو قتلوا هم أضعاف من سيقتل منهم - ويبقى الشرك،وتنمحي الجماعة المسلمة،ولم يقم في الأرض للإسلام نظام،ولا وجد له كيان واقعي .. وهو دين جاء ليكون منهاج حياة،وليكون نظاما واقعيا عمليا للحياة.«... إلخ» ... [1]

فأما في المدينة - في أول العهد بالهجرة - فقد كانت المعاهدة التي عقدها رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - مع اليهود من أهلها ومن بقي على الشرك من العرب فيها وفيما حولها،ملابسة تقتضيها طبيعة المرحلة كذلك ..

(1) -ص 713 - 716 من الجزء الخامس من الظلال - دار الشروق ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت