إنه ليس اختلافا عن جهل بحقيقة الأمر.فقد جاءهم العلم القاطع بوحدانية اللّه،وتفرد الألوهية.وبطبيعة البشرية،وحقيقة العبودية ..ولكنهم إنما اختلفوا «بَغْيًا بَيْنَهُمْ» واعتداء وظلما حينما تخلوا عن قسط اللّه وعدله الذي تتضمنه عقيدته وشريعته وكتبه.
وقد رأينا فيما نقلناه عن المؤلف المسيحي الحديث كيف كانت التيارات السياسية تخلق هذه الاختلافات المذهبية.وليس هذا إلا نموذجا مما تكرر وقوعه في حياة اليهودية والمسيحية.وقد رأينا كيف كانت كراهية مصر والشام وما إليهما للحكم الروماني سببا في رفض المذهب الروماني الرسمي والتمذهب بمذهب آخر! كما كان حرص بعض القياصرة على التوفيق بين أجزاء مملكته سببا في ابتداع مذهب وسط،يظن أنه يوفق بين الأغراض جميعا!! كأنما العقيدة لعبة تستخدم في المناورات السياسية والوطنية! وهذا هو البغي أشنع البغي.
عن قصد وعن علم! ومن ثم يجيء التهديد القاصم في موضعه المناسب: «وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ» ..وقد عد الاختلاف على حقيقة التوحيد كفرا وهدد الكافرين بسرعة الحساب كي لا يكون الإمهال - إلى أجل - مدعاة للجاجة في الكفر والإنكار والاختلاف ..
ثم لقن نبيه - صلى الله عليه وسلم - فصل الخطاب في موقفه من أهل الكتاب والمشركين جميعا.ليحسم الأمر معهم عن بينة،ويدع أمرهم بعد ذلك للّه،ويمضي في طريقه الواضح متميزا متفردا: «فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ:أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ.وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ؟ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا.وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ.وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ» ..
إنه لا سبيل إلى مزيد من الإيضاح بعد ما تقدم.فإما اعتراف بوحدة الألوهية والقوامة،وإذن فلا بد من الإسلام والاتباع.وإما مماحكة ومداورة.وإذن فلا توحيد ولا إسلام.
ومن ثم يلقن اللّه - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - كلمة واحدة تبين عقيدته كما تبين منهج حياته: «فَإِنْ حَاجُّوكَ» - أي في التوحيد وفي الدين - «فَقُلْ:أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ» أنا «وَمَنِ اتَّبَعَنِ» ..والتعبير بالاتباع ذو مغزى هنا.فليس هو مجرد التصديق.إنما هو الاتباع.كما أن التعبير بإسلام الوجه ذو مغزى كذلك.فليس هو مجرد النطق باللسان أو الاعتقاد بالجنان.إنما هو كذلك الاستسلام.استسلام الطاعة والاتباع ..
وإسلام الوجه كناية عن هذا الاستسلام.والوجه أعلى وأكرم ما في الإنسان.فهي صورة الانقياد الطائع الخاضع المتبع المستجيب.
هذا اعتقاد محمد - صلى الله عليه وسلم - ومنهج حياته.والمسلمون متبعوه ومقلدوه في اعتقاده ومنهج حياته ..فليسأل إذن أهل الكتاب والأميين سؤال التبين والتمييز ووضع الشارة المميزة للمعسكرين على وضوح لا اختلاط فيه ولا اشتباه: «وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ:أَأَسْلَمْتُمْ؟»