ما هي هذه النفخة؟ وكيف تنفخ في الموات فينشأ فيه هذا السر اللطيف الخافي على الأفهام؟
ما هي؟ وكيف؟ هذا هو الذي لم يخلق العقل البشري لإدراكه،لأنه ليس من شأنه.إنه لم يوهب القدرة على إدراكه.إن معرفة ماهية الحياة وطريق النفخة لا يجديه شيئا في وظيفته التي خلقه اللّه لها - وظيفة الخلافة في الأرض - إنه لن يخلق حياة من موات ..فما قيمة أن يعرف طبيعة الحياة،وماهية النفخة من روح اللّه،وكيفية اتصالها بآدم أو بأول سلم الحياة الذي سارت فيه السلالة الحية؟
واللّه - سبحانه - يقول:إن النفخة من روحه في آدم هي التي جعلت له هذا الامتياز والكرامة - حتى على الملائكة - فلا بد إذن أن تكون شيئا آخر غير مجرد الحياة الموهوبة للدود والميكروب! وهذا ما يقودنا إلى اعتبار الإنسان جنسا نشأ نشأة ذاتية،وأن له اعتبار ا خاصا في نظام الكون،ليس لسائر الأحياء! وعلى أية حال فهذا ليس موضوعنا هنا،إنما هي لمحة في سياق العرض للتحرز من شبهة قد تقوم في نفس القارئ لما عرضناه جدلا حول نشأة الإنسان! المهم هنا أن اللّه يخبرنا عن نشأة سر الحياة وإن لم ندرك طبيعة هذا السر وكيفية نفخه في الموات ..
وقد شاء اللّه - بعد نشأة آدم نشأة ذاتية مباشرة - أن يجعل لإعادة النشأة الإنسانية طريقا معينا.طريق التقاء ذكر وأنثى.واجتماع بويضة وخلية تذكير.فيتم الإخصاب،ويتم الإنسال.والبويضة حية غير ميتة والخلية حية كذلك متحركة.ومضى مألوف الناس على هذه القاعدة ..حتى شاء اللّه أن يخرق هذه القاعدة المختارة في فرد من بني الإنسان.فينشئه نشأة قريبة وشبيهة بالنشأة الأولى.وإن لم تكن مثلها تماما.أنثى فقط.تتلقى النفخة التي تنشئ الحياة ابتداء.
فتنشأ فيها الحياة! أهذه النفخة هي الكلمة؟ آلكلمة هي توجه الإرادة؟ آلكلمة: «كُنْ» التي قد تكون حقيقة وقد تكون كناية عن توجه الإرادة؟ والكلمة هي عيسى،أو هي التي منها كينونته؟
كل هذه بحوث لا طائل وراءها إلا الشبهات ..وخلاصتها هي تلك:أن اللّه شاء أن ينشئ حياة على غير مثال.فأنشأها وفق إرادته الطليقة التي تنشئ الحياة بنفخة من روح اللّه.ندرك آثارها،ونجهل ماهيتها.ويجب أن نجهلها.لأنها لا تزيد مقدرتنا على الاضطلاع بوظيفة الخلافة في الأرض،ما دام إنشاء الحياة ليس داخلا في تكليف الاستخلاف! والأمر هكذا سهل الإدراك.ووقوعه لا يثير الشبهات! وهكذا بشرت الملائكة مريم بكلمة من اللّه اسمه المسيح عيسى بن مريم ..فتضمنت البشارة نوعه،وتضمنت اسمه ونسبه.وظهر من هذا النسب أن مرجعه إلى أمه ..ثم تضمنت البشارة كذلك صفته ومكانه من ربه: «وَجِيهًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ» ..
كما تضمنت ظاهرة معجزة تصاحب مولده «وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ» ..ولمحة من مستقبله: «وَكَهْلًا» ..وسمته والموكب الذي ينتسب إليه: «وَمِنَ الصَّالِحِينَ» ..
فأما مريم الفتاة الطاهرة العذراء المقيدة بمألوف البشر في الحياة،فقد تلقت البشارة كما يمكن أن تتلقاها فتاة.واتجهت إلى ربها تناجيه وتتطلع إلى كشف هذا اللغز الذي يحير عقل الإنسان:«قالَتْ:رَبِّ