فهرس الكتاب

الصفحة 661 من 4997

أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ؟» ..وجاءها الجواب،يردها إلى الحقيقة البسيطة التي يغفل عنها البشر لطول ألفتهم للأسباب والمسببات الظاهرة لعلمهم القليل،ومألوفهم المحدود: « قالَ:كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ.إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ:كُنْ فَيَكُونُ» ..

وحين يرد الأمر إلى هذه الحقيقة الأولية يذهب العجب،وتزول الحيرة،ويطمئن القلب ويعود الإنسان على نفسه يسألها في عجب:كيف عجبت من هذا الأمر الفطري الواضح القريب!! وهكذا كان القرآن ينشئ التصور الإسلامي لهذه الحقائق الكبيرة بمثل هذا اليسر الفطري القريب.وهكذا كان يجلو الشبهات التي تعقدها الفلسفات المعقدة،ويقر الأمر في القلوب وفي العقول سواء ..

ثم يتابع الملك البشارة لمريم عن هذا الخلق الذي اختارها اللّه لإنجابه على غير مثال وكيف ستمضي سيرته في بني إسرائيل ..وهنا تمتزج البشارة لمريم بمقبل تاريخ المسيح،ويلتقيان في سياق واحد،كأنما يقعان اللحظة،على طريقة القرآن: «وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ» ..

والكتاب قد يكون المراد به الكتابة وقد يكون هو التوراة والإنجيل،ويكون عطفهما على الكتاب هو عطف بيان.والحكمة حالة في النفس يتأتي معها وضع الأمور في مواضعها،وإدراك الصواب واتباعه.وهي خير كثير.والتوراة كانت كتاب عيسى كالإنجيل.فهي أساس الدين الذي جاء به.والإنجيل تكملة وإحياء لروح التوراة،ولروح الدين التي طمست في قلوب بني إسرائيل.وهذا ما يخطئ الكثيرون من المتحدثين عن المسيحية فيه فيغفلون التوراة،وهي قاعدة دين المسيح - عليه السلام - وفيها الشريعة التي يقوم عليها نظام المجتمع ولم يعدل فيها الإنجيل إلا القليل.أما الإنجيل فهو نفخة إحياء وتجديد لروح الدين،وتهذيب لضمير الإنسان بوصله مباشرة باللّه من وراء النصوص.هذا الإحياء وهذا التهذيب اللذان جاء المسيح وجاهد لهما حتى مكروا به كما سيجيء.

«وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ،وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ.وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ.إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ.إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» ..

ويفيد هذا النص أن رسالة عيسى - عليه السلام - كانت لبني إسرائيل،فهو أحد أنبيائهم.ومن ثم كانت التوراة التي نزلت على موسى - عليه السلام - وفيها الشريعة المنظمة لحياة الجماعة الإسرائيلية،والمتضمنة لقوانين التعامل والتنظيم،هي كتاب عيسى كذلك،مضافا إليها الإنجيل الذي يتضمن إحياء الروح وتهذيب القلب وإيقاظ الضمير.

والآية التي بشر اللّه أمه مريم أنها ستكون معه،والتي واجه بها بالفعل بني إسرائيل هي معجزة النفخ في الموات فيدخله سر الحياة،وإحياء الموتى من الناس،وإبراء المولود أعمى،وشفاء الأبرص،والإخبار بالغيب - بالنسبة له - وهو المدخر من الطعام وغيره في بيوت بني إسرائيل،وهو بعيد عن رؤيته بعينه ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت