-على مثال ما يصنع اليوم أعداء هذا الدين بكل موضوع من موضوعات هذا الدين! وهنا يرد اللّه عليهم كيدهم ببيان جديد.
« قُلْ:صَدَقَ اللَّهُ،فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا،وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ.فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ:مَقامُ إِبْراهِيمَ،وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا.وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ» ..
ولعل الإشارة هنا في قوله: «قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ..» تعني ما سبق تقريره في هذا الأمر،من أن هذا البيت بناه إبراهيم وإسماعيل ليكون مثابة للناس وأمنا،وليكون للمؤمنين بدينه قبلة ومصلى:ومن ثم يجيء الأمر باتباع إبراهيم في ملته.وهي التوحيد الخالص المبرأ من الشرك في كل صورة:
«فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا،وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» .
واليهود كانوا يزعمون أنهم هم ورثة إبراهيم.فها هو ذا القرآن يدلهم على حقيقة دين إبراهيم وأنه الميل عن كل شرك.ويؤكد هذه الحقيقة مرتين:مرة بأنه كان حنيفا.ومرة بأنه ما كان من المشركين.فما بالهم هم مشركين!!
ثم يقرر أن الاتجاه للكعبة هو الأصل.فهي أول بيت وضع في الأرض للعبادة وخصص لها،مذ أمر اللّه إبراهيم أن يرفع قواعده،وأن يخصصه للطائفين والعاكفين والركع السجود.وجعله مباركا وجعله هدى للعالمين.يجدون عنده الهدى بدين اللّه ملة إبراهيم.وفيه علامات بينة على أنه مقام إبراهيم .. (ويقال:إن المقصود هو الحجر الأثري الذي كان إبراهيم - عليه السلام - يقف عليه في أثناء البناء.وكان ملصقا بالكعبة فأخره عنها الخليفة الراشد عمر - رضي اللّه عنه - حتى لا يشوش الذين يطوفون به على المصلين عنده.وقد أمر المسلمون أن يتخذوه مصلى بقوله تعالى: «وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى» ..)
ويذكر من فضائل هذا البيت أن من دخله كان آمنا.فهو مثابة الأمن لكل خائف.وليس هذا لمكان آخر في الأرض.وقد بقي هكذا مذ بناه إبراهيم وإسماعيل.وحتى في جاهلية العرب وفي الفترة التي انحرفوا فيها عن دين إبراهيم،وعن التوحيد الخالص الذي يمثله هذا الدين ..حتى في هذه الفترة بقيت حرمة هذا البيت سارية،كما قال الحسن البصري وغيره:كان الرجل يَقْتُل فيَضَع في عُنُقِه صوفَة ويدخل الحرم فيلقاه ابن المقتول فلا يُهَيِّجْهُ حتى يخرج. [1] ..وكان هذا من تكريم اللّه سبحانه لبيته هذا،حتى والناس من حوله في جاهلية! وقال - سبحانه - يمتن على العرب به: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ؟» وحتى إنه من جملة تحريم الكعبة حرمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره،وحرمة قطع شجرها ..
(1) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [2 /79]