وغيرها كثير ..وكلها تقرر أصالة هذه السمة في المجتمع المسلم،وضروراتها لهذا المجتمع أيضا.وهي تحتوي مادة توجيه وتربية منهجية ضخمة.وهي إلى جانب النصوص القرآنية زاد نحن غافلون عن قيمته وعن حقيقته [1]
ثم نعود إلى الشطر الآخر من الآية الأولى في هذه المجموعة .. «وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ.مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ» ..وهو ترغيب لأهل الكتاب في الإيمان.فهو خير لهم.خير لهم في هذه الدنيا،يستعصمون به من الفرقة والهلهلة التي كانوا عليها في تصوراتهم الاعتقادية ،والتي ما تزال تحرمهم تجمع الشخصية.إذ تعجز هذه التصورات عن أن تكون قاعدة للنظام الاجتماعي لحياتهم،فتقوم أنظمتهم الاجتماعية - من ثم - على غير أساس،عرجاء أو معلقة في الهواء ككل نظام اجتماعي لا يقوم على أساس اعتقادي شامل،وعلى تفسير كامل للوجود،ولغاية الوجود الإنساني،ومقام الإنسان في هذا الكون ..وخير لهم في الآخرة يقيهم ما ينتظر غير المؤمنين من مصير.
ثم هو بيان كذلك لحالهم،لا يبخس الصالحين منهم حقهم: «مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ»
وقد آمن من أهل الكتاب جماعة وحسن إسلامهم.منهم عبد اللّه بن سلام،وأسد بن عبيد،وثعلبة بن شعبة،وكعب بن مالك ..وإلى هؤلاء تشير الآية هنا بالإجمال - وفي آية تالية بالتفصيل - أما الأكثرون فقد فسقوا عن دين اللّه،حين لم يفوا بميثاق اللّه مع النبيين:أن يؤمن كل منهم بأخيه الذي يجيء بعده،وأن ينصره.وفسقوا عن دين اللّه وهم يأبون الاستسلام لإرادته في إرسال آخر الرسل من غير بني إسرائيل،واتباع هذا الرسول وطاعته والاحتكام إلى آخر شريعة من عند اللّه،أرادها للناس أجمعين.
ولما كان بعض المسلمين ما يزالون على صلات منوعة باليهود في المدينة،ولما كانت لليهود حتى ذلك الحين قوة ظاهرة:عسكرية واقتصادية يحسب حسابها بعض المسلمين،فقد تكفل القرآن بتهوين شأن هؤلاء الفاسقين في نفوس المسلمين،وإبراز حقيقتهم الضعيفة بسبب كفرهم وجرائمهم وعصيانهم،وتفرقهم شيعا وفرقا،وما كتب اللّه عليهم من الذلة والمسكنة.
« لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً،وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ،ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ،ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا - إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ - وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ،وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ.ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ،وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ،ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ» .
بهذا يضمن اللّه للمؤمنين النصر وسلامة العاقبة،ضمانة صريحة حيثما التقوا بأعدائهم هؤلاء،وهم معتصمون بدينهم وربهم في يقين: «لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً.وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ» .
(1) - يراجع بتوسع كتاب: «قبسات من الرسول» لمحمد قطب فصل: «قبل أن تدعوا فلا أجيب» .دار الشروق ( السيد رحمه الله )