فلن يكون ضررا عميقا ولا أصيلا يتناول أصل الدعوة،ولن يؤثر في كينونة الجماعة المسلمة،ولن يجليها من الأرض ..إنما هو الأذى العارض في الصدام،والألم الذاهب مع الأيام ..فأما حين يشتبكون مع المسلمين في قتال،فالهزيمة مكتوبة عليهم - في النهاية - والنصر ليس لهم على المؤمنين،ولا ناصر لهم كذلك ولا عاصم من المؤمنين ..ذلك أنه قد «ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ» وكتبت لهم مصيرا.فهم في كل أرض يذلون،لا تعصمهم إلا ذمة اللّه وذمة المسلمين - حين يدخلون في ذمتهم فتعصم دماءهم وأموالهم إلا بحقها،وتنيلهم الأمن والطمأنينة - ولم تعرف يهود منذ ذلك الحين الأمن إلا في ذمة المسلمين.ولكن يهود لم تعاد أحدا في الأرض عداءها للمسلمين! .. «وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ» ..كأنما رجعوا من رحلتهم يحملون هذا الغضب. «وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ» تعيش في ضمائرهم وتكمن في مشاعرهم ..
ولقد وقع ذلك كله بعد نزول هذه الآية.فما كانت معركة بين المسلمين وأهل الكتاب إلا كتب اللّه فيها للمسلمين النصر - ما حافظوا على دينهم واستمسكوا بعقيدتهم،وأقاموا منهج اللّه في حياتهم - وكتب لأعدائهم المذلة والهوان إلا أن يعتصموا بذمة المسلمين أو أن يتخلى المسلمون عن دينهم.
ويكشف القرآن عن سبب هذا القدر المكتوب على يهود.فإذا هو سبب عام يمكن أن تنطبق آثاره على كل قوم،مهما تكن دعواهم في الدين:إنه المعصية والاعتداء: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ،وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ.ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ» .
فالكفر بآيات اللّه - سواء بإنكارها أصلا،أو عدم الاحتكام إليها وتنفيذها في واقع الحياة - وقتل الأنبياء بغير حق.وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس كما جاء في آية أخرى في السورة - والعصيان والاعتداء ..
هذه هي المؤهلات لغضب اللّه،وللهزيمة والذلة والمسكنة ..وهذه هي المؤهلات التي تتوافر اليوم في البقايا الشاردة في الأرض من ذراري المسلمين.الذين يسمون أنفسهم - بغير حق - مسلمين! هذه هي المؤهلات التي يتقدمون بها إلى ربهم اليوم،فينالون عليها كل ما كتبه اللّه على اليهود من الهزيمة والذلة والمسكنة.فإذا قال أحد منهم:لماذا نغلب في الأرض ونحن مسلمون؟ فلينظر قبل أن يقولها:ما هو الإسلام،ومن هم المسلمون؟! ثم يقول!
وإنصافا للقلة الخيرة من أهل الكتاب،يعود السياق عليهم بالاستثناء،فيقرر أن أهل الكتاب ليسوا كلهم سواء.فهناك المؤمنون.يصور حالهم مع ربهم،فإذا هي حال المؤمنين الصادقين.ويقرر جزاءهم عنده فإذا هو جزاء الصالحين. « لَيْسُوا سَواءً.مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ،يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ.يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ،وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ،وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ،وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ.وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ.وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ،وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ» ..