فهرس الكتاب

الصفحة 727 من 4997

وكانت هذه الحصيلة الضخمة التي استقرت في الجماعة المسلمة من وراء الأحداث،ومن وراء التوجيهات القرآنية بعد الأحداث،أكبر وأخطر - بما لا يقاس - من حصيلة النصر والغنيمة ..لو عاد المسلمون من الغزوة بالنصر والغنيمة ..وقد كانت الجماعة المسلمة إذ ذاك أحوج ما تكون لهذه الحصيلة الضخمة ..كانت أحوج إليها ألف مرة من حصيلة النصر والغنيمة.وكان الرصيد الباقي منها للأمة المسلمة في كل جيل أهم وأبقى كذلك من حصيلة النصر والغنيمة.وكان تدبير اللّه العلوي من وراء ما بدا في الموقعة من ظواهر النقص والضعف والتميع والغبش في الصف المسلم،ومن وراء الهزيمة التي نشأت عن هذه الظواهر ..كان تدبير اللّه العلوي من وراء هذا الذي وقع وفق سنة اللّه الجارية،حسب أسبابه الطبيعية الظاهرة،تدبيرا كله الخير للجماعة المسلمة في ذلك الحين،لتنال هذه الحصيلة الضخمة من العبرة والتربية،والوعي والنضج،والتمحيص والتميز،والتنسيق والتنظيم.وليبقى للأمة المسلمة في أجيالها المتعاقبة هذا الرصيد من التجارب والحقائق والتوجيهات التي لا تقدر بثمن.ولو كان هذا الثمن هو النصر والغنيمة! لقد انتهت المعركة في ميدان الأرض،ليبدأها القرآن في ميدانها الأكبر:ميدان النفس،وميدان الحياة الشاملة للجماعة المسلمة.وصنع بهذه الجماعة ما تصنعه يد اللّه،عن علم وعن حكمة،وعن خبرة،وعن بصيرة.وكان ما شاءه اللّه وما دبره.وكان فيه الخير العظيم،من وراء الضر والأذى والابتلاء الشاق المرير.

ولعل مما يلفت النظر في التعقيب القرآني على أحداث المعركة هو ذلك الازدواج العجيب بين استعراض مشاهدها ووقائعها،والتوجيهات المباشرة على هذه المشاهد والوقائع ..وبين التوجيهات الأخرى المتعلقة بتصفية النفوس،وتخليصها من غبش التصور،وتحريرها من ربقة الشهوات،وثقلة المطامع،وظلام الأحقاد،وظلمة الخطيئة،وضعف الحرص والشح.والرغبات الدفينة.

ولعل مما يلفت النظر أكثر،الكلام - في صدد التعقيب على معركة حربية - عن الربا والنهي عنه،وعن الشورى والأخذ بها،على الرغم مما كان للشورى من معقبات ظاهرية في النتائج السيئة للمعركة! ثم ..سعة المساحة التي يعمل فيها المنهج القرآني في النفس البشرية،وفي الحياة الإنسانية،وتعدد نقط الحركة فيها،وتداخلها،وتكاملها العجيب ..

ولكن الذين يدركون طبيعة هذا المنهج الرباني لا يعجبون لشيء من ذلك الازدواج وهذه السعة،وهذا التداخل،وهذا التكامل.فالمعركة الحربية في الحركة الإسلامية ليست معركة أسلحة وخيل ورجال وعدة وعتاد،وتدبير حربي فحسب ..فهذه المعركة الجزئية ليست منعزلة عن المعركة الكبرى في عالم الضمير،وعالم التنظيم الاجتماعي للجماعة المسلمة ..إنها ذات ارتباط وثيق بصفاء ذلك الضمير،وخلوصه،وتجرده،وتحرره من الأوهاق والقيود التي تطمس على شفافيته،وتقعد به دون الفرار إلى اللّه! وكذلك هي ذات ارتباط وثيق بالأوضاع التنظيمية التي تقوم عليها حياة الجماعة المسلمة،وفق منهج اللّه القويم.المنهج الذي يقوم على الشورى في الحياة كلها - لا في نظام الحكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت