وحده - وعلى النظام التعاوني لا النظام الربوي.والتعاون والربا لا يجتمعان في نظام! والقرآن كان يعالج الجماعة المسلمة،على إثر معركة لم تكن - كما قلنا - معركة في ميدان القتال وحده.
إنما كانت معركة في الميدان الأكبر.ميدان النفس البشرية،وميدان الحياة الواقعية ..ومن ثم عرج على الربا فنهى عنه وعرج على الإنفاق في السراء والضراء فحض عليه وعرج على طاعة اللّه ورسوله فجعلها مناط الرحمة وعرج على كظم الغيظ والعفو عن الناس،وعلى الإحسان والتطهر من الخطيئة بالاستغفار،والتوبة وعدم الإصرار فجعلها كلها مناط الرضوان.كما عرج على رحمة اللّه المتمثلة في رحمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولين قلبه للناس.وعلى مبدأ الشورى وتقريره في أحرج الأوقات.وعلى الأمانة التي تمنع الغلول.
وعلى البذل والتحذير من البخل في نهاية ما نزل في التعقيب على الغزوة من آيات ..
عرج على هذا كله.لأنه مادة إعداد الجماعة المسلمة للمعركة في نطاقها الواسع الذي يتضمن المعركة الحربية في إطاره ولا يقتصر عليها.معركة التعبئة الكاملة للانتصار الكبير.الانتصار على النفس والشهوات والمطامع والأحقاد،والانتصار في تقرير القيم والأوضاع السليمة لحياة الجماعة الشاملة.
وعرج على هذا كله ليشير إلى وحدة هذه العقيدة في مواجهة الكينونة البشرية ونشاطها كله.ورده كله إلى محور واحد:محور العبادة للّه،والعبودية له،والتوجه إليه في حساسية وتقوى.وإلى وحدة منهج اللّه في الهيمنة على الكينونة البشرية كلها،في كل حال من أحوالها.وإلى الترابط بين جميع هذه الأحوال في ظل هذا المنهج.وإلى وحدة النتائج النهائية للنشاط الإنساني كله،وتأثير كل حركة من حركات النفس،وكل جزئية من جزئيات التنظيم في هذه النتائج النهائية.
وإذن فهذه التوجيهات الشاملة ليست بمعزل عن المعركة.فالنفس لا تنتصر في المعركة الحربية إلا حين تنتصر في المعارك الشعورية والأخلاقية والنظامية،والذين تولوا يوم التقى الجمعان في «أحد» إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا من الذنوب.والذين انتصروا في معارك العقيدة وراء أنبيائهم هم الذين بدأوا المعركة بالاستغفار من الذنوب،والالتجاء إلى اللّه،والالتصاق بركنه الركين.والتطهر من الذنوب إذن والالتصاق باللّه،والرجوع إلى كنفه من عدة النصر،وليست بمعزل عن الميدان! واطراح النظام الربوي إلى النظام التعاوني من عدة النصر والمجتمع التعاوني أقرب إلى النصر من المجتمع الربوي.وكظم الغيظ والعفو عن الناس من عدة النصر،فالسيطرة على النفس قوة من قوى المعركة،والتضامن والتواد في المجتمع المتسامح قوة ذات فاعلية كذلك.
كذلك كان من الحقائق التي اتكأ عليها السياق من بدئه إلى نهايته ..حقيقة قدر اللّه.ورد الأمر إليه جملة.
وتصحيح التصور في هذه النقطة تصحيحا حاسما جازما.وفي الوقت ذاته تقرير سنة اللّه في ترتيب العواقب التي تحل بالبشر على ما يصدر من سعيهم ونشاطهم،وخطئهم وإصابتهم،وطاعتهم