فهرس الكتاب

الصفحة 732 من 4997

فخرج يوم الجمعة،فلما صار بالشَّوْط بَيْنَ المدينةِ وأُحُد،انخزَلَ عبدُ الله ابن أُبَىّ بنحو ثُلثِ العسكر،وقال:تُخالفنى وتسمَعُ مِن غيرى،فتبعهم عبدُ الله بن عمرو بن حرام،والد جابر بن عبد الله يوبِّخهم ويحضُّهم على الرجوع،ويقول:تعَالَوْا قاتِلُوا في سبيل الله،أو ادفعوا.قالوا:لو نَعلَمُ أنكم تُقاتلون،لم نرجع،فرجع عنهم،وسبَّهم،وسأله قوم من الأنصار أن يستعينوا بحُلفائهم مِن يهود،فأبى،وسلك حرَّة بنى حارثة،وقال:"مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ بِنَا عَلَى القَوْمِ مِنْ كَثَبٍ"؟،فخرج به بعضُ الأنصارِ حتى سلَك في حائط لِبعض المنافقين،وكان أعمى،فقام يحثو الترابَ في وجوه المسلمين ويقول:لا أُحِلُّ لكَ أن تدخُلَ في حائطى إن كنتَ رسولَ اللهِ،فابتدره القومُ لِيقتلوه،فقال:"لا تقتُلوه فهذا أعمى القلب أعمى البصرِ". [1]

ونفذ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نزلَ الشِّعبَ مِن أُحُد في عُدْوَةِ الوَادِى،وجعلَ ظهرَه إلى أُحُد،ونهى الناسَ عَنِ القِتَال حتى يأمرهمْ،فلما أصبحَ يومَ السبت،تَعَبَّى للقتال،وهو في سبعِمائة،فيهم خمسون فارسًا،واستعمل على الرُّماة وكانوا خمسين عبدَ الله بن جُبير،وأمره وأصحابَه أن يَلزمُوا مركزهم،وألا يُفارقُوه،ولو رأى الطيرَ تتخطفُ العسكر،وكانوا خلفَ الجيش،وأمرَهُم أنْ يَنْضَحُوا المُشرِكِينَ بالنَّبْلِ،لِئَلا يأتُوا المُسْلِمِينَ مِنْ وَرَائِهِم.

فظاهر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ دِرعَيْن يومئِذٍ،وأعطى اللِّواء مُصْعَبَ بنَ عُمير،وجعل على إحدى المجَنِّبَتَيْنِ الزبيرَ بنَ العوام،وعلى الأخرى المُنذرَ بنَ عمرو،واستعرض الشبابَ يومئذٍ،فردَّ مَن استصغره عن القتال،وكان منهم عبدُ الله بنُ عمر،وأُسامَة بن زيد،وأُسَيْدُ بن ظَهِيرٍ،والبراءُ بن عازب،وزيد بن أرقم،وزيدُ بن ثابت،وعَرَابةُ بن أوس،وعمرو بنُ حَزْمٍ،وأجازَ مَن رآهُ مُطِيقًا،وكان مِنهم سَمُرَةُ بنُ جُنْدَبٍ،ورافعُ بن خَديج،ولهما خمسَ عشْرة سنة.فقيل:أجاز مَن أجاز لبلوغه بالسِّنِّ خمس عشرة سنةً،وردَّ مَن رَدَّ لِصغره عن سِنِّ البُلُوغ،وقالت طائفة:إنما أجازَ مَنْ أجاز لإطاقته،وردَّ مَن رَدَّ لِعدم إطاقته،ولا تأثيرَ للبلوغ وعدمِه في ذلك قالوا:وفى بعض ألفاظ حديث ابن عمر:"فلمَّا رَآنى مُطِيقًا أَجَازَنى".

وتعبَّتْ قريشٌ للقتال،وهم في ثلاثةِ آلافٍ،وفيهم مائتا فارسٍ،فجعلوا على ميمنتهم خالدَ بن الوليد،وعلى الميسرةِ عِكرمةَ بنَ أبى جهل،ودفعَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - سيفَه إلى أبى دُجَانَة سِمَاكِ بن خَرَشَةَ،وكان شُجاعًا بطلًا يَخْتَالُ عِند الحرب.

وكان أوَّلَ مَنْ بَدَر مِن المشركين أبو عامر الفاسِقُ،واسمه عبد عَمْرِو بن صَيْفِى،وكان يُسمَّى"الرَّاهبَ"،فسمَّاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفاسِقَ،وكان رأس الأوس في الجاهلية،فلما جاء الإسلامُ،شَرِقَ به،وجاهَرَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بالعَدَاوة،فخرج مِنَ المدينة،وذهب إلى قُريش يُوَلِّبُهُم عَلَى رَسُولِ اللهِ

(1) - سيرة ابن هشام [2 /64] والبداية والنهاية لابن كثير محقق - موافق للمطبوع [4 /16] وتاريخ الرسل والملوك [1 /471]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت