-صلى الله عليه وسلم - ويحضُّهم على قِتاله،ووعدَهم بأن قومَه إذا رأوه أطاعُوه،ومالُوا معه،فكان أوَّل مَنْ لَقِىَ المسلمينَ،فنادى قومَه،وتعرَّف إليهم،فَقَالُوا له:لا أنعم اللهُ بكَ عينًا يَا فَاسِقُ،فقال:لقد أصابَ قومى بعدى شرٌ،ثم قاتل المسلمين قِتالًا شديدًا،وكان شِعارُ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ:أَمِتْ [1] .
وأبلى يومئذ أبو دُجَانَةَ الأنصارىُّ،وطلحةُ بنُ عبيد الله،وأسدُ الله وأسدُ رسوله حمزةُ بنُ عبد المطَّلب،وعلىُّ بنُ أبى طالب،وأنسُ بن النضر،وسعدُ بنُ الربيع.
وكانت الدولةُ أوَّلَ النهارِ للمسلمين على الكفَّار،فانهزم عدوُّ اللهِ،وولَّوا مُدْبِرينَ حتى انتَهَوْا إلى نِسائهم،فلما رأى الرُمَاةُ هزيمتَهم،تركوا مركَزَهم الذى أمرهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بحفظه،وقالوا:يا قومُ الغنيمةَ،فذكَّرهم أميرُهم عهدَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،فلم يسمعُوا،وظنوا أن ليس للمشركين رجعةٌ،فذهبُوا في طلب الغنيمةِ،وأخْلُوا الثَّغْرَ،وكرَّ فُرسَانُ المشركين،فوجدوا الثَّغْر خاليًا،قد خلا مِن الرُّماة،فجازُوا منه،وتَمكَّنُوا حتى أقبل آخِرهُم،فأحاطُوا بالمسلمين،فأكرم اللهُ مَنْ أكرمَ منهم بالشهادة،وهم سبعون،وتولَّى الصَّحَابة،وخلَصَ المشركون إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فجرحُوا وجهَه،وكسروا رَباعِيَّتَه اليُمْنى،وكانت السُّفلى،وهَشَمُوا البيضة على رأسه ورمَوْهُ بالحِجَارة حتى وقع لِشقه،وسقط في حُفرة مِن الحُفَرِ التى كان أبو عامر الفاسِقُ يَكيدُ بها المسلمين،فأخذ علىُّ بيده،واحتضنه طلحةُ بنُ عُبيد الله،وكان الذى تولَّى أذاه - صلى الله عليه وسلم - عَمْرُو بنُ قَمِئَةَ،وعُتُبَةُ بنُ أبى وقاص،وقيل:إن عبد الله بن شهاب الزهرىَّ،عمّ محمد بن مسلم بن شهاب الزهرى،هو الذى شجَّهُ.
وقُتِلَ مصعبُ بن عمير بين يديه،فدفع اللِّواء إلى علىِّ بن أبى طالب،ونشبت حَلَقَتَانِ مِن حلق المِغْفَرِ في وجهه،فانتزعهما أبو عبيدة بن الجرَّاح،وعضَّ عليهما حتى سقطت ثنيتاه مِن شدَّةِ غوصِهِمَا في وجْهِهِ،وامتصَّ مَالكُ بنُ سنان والد أبى سعيد الخدرى الدَّمَ مِن وجنته،وأدركه المشركون يُريدُونَ ما اللهُ حائلٌ بينَهُم وبينَه،فحال دُونَه نفرٌ مِن المسلمين نحو عشرة حتى قُتِلُوا،ثم جالدهم طلحةُ حتى أجهضهم عنه،وترَّسَ أبو دُجانة عليه بظهره،والنبل يقع فيه،وهو لا يتحرَّك،وأصيبت يومئذ عينُ قتادة بن النعمان،فأتى بها رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ،فردَّها عليه بيده،وكانَتْ أصحَّ عينيه وأحسنَهما،وصرخ الشيطانُ بأعلى صوتِهِ:إنَّ محمدًا قَد قُتِلَ،ووقع ذلك في قلوب كثيرٍ من المسلمين،وفرَّ أكثرُهم،وكان أمرُ الله قدرًا مقدورًا.
ومر أنسُ بنُ النَّضر بقوم من المسلمين قد ألقَوا بأيديهم،فقال:ما تنتظِرُونَ ؟ فقالوا:قُتِلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فقال:ما تَصْنَعُونَ في الحياة بعده ؟ قومُوا فموتُوا على ما مَاتَ عليه،ثم استقبلَ الناسَ،ولقى سعدَ بنَ معاذ فقال:يَا سَعْدُ؛ إنى لأَجِدُ رِيحَ الجَنَّةِ مِنْ دُونِ أُحُد،فقاتل حتى قُتِلَ،ووُجِدَ به سبعونَ ضَربة،وجُرِحَ يومئذ عبد الرحمن بن عوف نحوًا من عشرينَ جِراحة.
(1) - السنن الكبرى للبيهقي- المكنز [6 /361] (13434) صحيح