فهرس الكتاب

الصفحة 738 من 4997

كُفيتموهم،حمىَ عمر بنُ الخطاب،واشتد غضبُه وقال:كذبْت يا عدوَّ الله،فكان في هذا الإعلام من الإذلال،والشجاعة،وعدمِ الجُبن،والتعرفِ إلى العدو في تلك الحال،ما يُوذِنُهم بقوة القوم وبَسالتهم،وأنهم لم يَهِنُوا ولم يَضْعُفُوا،وأنه وقومَه جديرون بعدم الخوفِ منهم،وقد أبقى اللهُ لهم ما يسوؤهُم منهم،وكان في الإعلام ببقاء هؤلاء الثلاثة وهلة بعد ظنَّهِ وظنِّ قومه أنهم قد أُصيبوا من المصلحة،وغيظ العدو وحِزبِهِ،والفتِّ في عَضُدِهِ ما ليس في جوابه حين سأل عنهم واحدًا واحدًا،فكان سؤالُه عنهم،ونعيُهم لِقومه آخِر سهام العدو وكيده،فصبر له النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - حتى استوفى كيده،ثم انتدب له عُمَرُ،فرد سِهَام كيدِهِ عليه،وكان تركُ الجوابِ أولًا عليه أحسن،وذكره ثانيًا أحسن،وأيضًا فإن في ترك إجابته حين سأل عنهم إهانةً له،وتصغيرًا لشأنه،فلما منَّته نفسُه موتَهم،وظنَّ أنهم قد قتِلُوا،وحصل بذلك من الكِبر والأشر ما حصل،كان في جوابه إهانةٌ له،وتحقيرٌ،وإذلالٌ،ولم يكن هذا مخالفًا لقول النبى - صلى الله عليه وسلم -:"لا تُجِيبُوه"،فإنه إنما نهى عن إجابته حين سأل:أفيكم محمّدٌ ؟ أفيكم فلانٌ ؟ أفيكم فلانٌ ؟ ولم ينه عن إجابته حين قال:أما هؤلاء،فقَد قُتِلُوا،وبكل حال،فلا أحسنَ من ترك إجابته أولًا،ولا أحسنَ من إجابته ثانيًا.

ثمَّ قال أبو سفيان:يَوْمٌ بِيوم بَدْرٍ،والحَرْبُ سِجَالٌ،فأجابه عُمَرُ فقال:لاَ سَوَاء،قَتْلانَا في الجَنَّةِ،وَقَتْلاكُمْ في النَّارِ [1] ..

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ،أَنَّهُ قَالَ:مَا نَصَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مَوْطِنٍ ،كَمَا نَصَرَ يَوْمَ أُحُدٍ . قَالَ:فَأَنْكَرْنَا ذَلِكَ ،فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:بَيْنِي وَبَيْنَ مَنِ انْكَرَ ذَلِكَ كِتَابُ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ،إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي يَوْمِ أُحُدٍ: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمِ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} ،يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ:وَالْحَسُّ:الْقَتْلُ ، {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ} ،إِلَى قَوْلِهِ ، {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} ،وَإِنَّمَا عَنَى بِهَذَا الرُّمَاةَ ،وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَقَامَهُمْ فِي مَوْضِعٍ ،ثُمَّ قَالَ:احْمُوا ظُهُورَنَا ،فَإِنْ رَأَيْتُمُونَا نُقْتَلُ ،فَلا تَنْصُرُونَا ،وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا قَدْ غَنِمْنَا فَلا تُشْرِكُونَا فَلَمَّا غَنِمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ،وَأَبَاحُوا عَسْكَرَ الْمُشْرِكِينَ ،أَكَبَّ الرُّمَاةُ جَمِيعًا ،فَدَخَلُوا فِي الْعَسْكَرِ يَنْهَبُونَ ،وَقَدِ الْتَقَتْ صُفُوفُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَهُمْ كَذَا ،وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدَيْهِ ،وَالْتَبَسُوا ،فَلَمَّا أَخَلَّ الرُّمَاةُ تِلْكَ الْخَلَّةَ الَّتِي كَانُوا فِيهَا ،دَخَلَتِ الْخَيْلُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ،فَضَرَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ،وَالْتَبَسُوا ،وَقُتِلَ مِنَ المُسْلِمِينَ نَاسٌ كَثِيرٌ ،وَقَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابِهِ أَوَّلُ النَّهَارِ ،حَتَّى قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ لِوَاءِ الْمُشْرِكِينَ سَبْعَةٌ ،أَوْ تِسْعَةٌ ،وَجَالَ الْمُسْلِمُونَ جَوْلَةً نَحْوَ الْجَبَلِ ،وَلَمْ يَبْلُغُوا حَيْثُ يَقُولُ النَّاسُ الْغَارَ ،إِنَّمَا كَانُوا تَحْتَ الْمِهْرَاسِ ،وَصَاحَ الشَّيْطَانُ:قُتِلَ مُحَمَّدٌ ،فَلَمْ يُشَكَّ فِيهِ أَنَّهُ حَقٌّ ،فَمَا زِلْنَا كَذَلِكَ مَا نَشُكُّ أَنَّهُ قَدْ قُتِلَ ،حَتَّى طَلَعَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ السَّعْدَيْنِ نَعْرِفُهُ بِتَكَفُّئِهِ إِذَا مَشَى ،قَالَ:فَفَرِحْنَا حَتَّى كَأَنَّهُ لَمْ يُصِبْنَا مَا أَصَابَنَا ،قَالَ:فَرَقِيَ

(1) - مسند أبي عوانة مشكلا [4 /177] (5488 ) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت