فهرس الكتاب
قَالَ:بِأَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ،وَلَا أَفِرُّ يَوْمَ الزَّحْفِ ،فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"صَدَقْتَ"،فَاسْتُشْهِدَ يَوْمَئِذٍ . وَأَبَى كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا الْخُرُوجَ إِلَى الْعَدُوِّ ،وَلَمْ يَتَنَاهَوْا إِلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَرَأْيِهِ ،وَلَوْ رَضُوا بِالَّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ كَانَ ذَلِكَ ،وَلَكِنْ غَلَبَ الْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ ،وَعَامَّةُ مَنْ أَشَارَ عَلَيْهِ بِالْخُرُوجِ رِجَالٌ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا ،قَدْ عَلِمُوا الَّذِي سَبَقَ لِأَصْحَابِ بَدْرٍ مِنَ الْفَضِيلَةِ ،فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْجُمُعَةَ وَعَظَ النَّاسَ وَذَكَّرَهُمْ ،وَأَمَرَهُمْ بِالْجَدِّ وَالْجِهَادِ ،ثُمَّ انْصَرَفَ مِنْ خُطْبَتِهِ وَصَلَاتِهِ فَدَعَا بِاللَّأْمَةِ فَلَبِسَهَا ،ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالْخُرُوجِ . فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رِجَالٌ مِنْ ذَوِي الرَّأْيِ قَالُوا:أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ نَمْكُثَ بِالْمَدِينَةِ ،فَإِنْ دَخَلَ عَلَيْنَا الْعَدُوُّ قَاتَلْنَاهُمْ فِي الْأَزِقَّةِ ،وَهُوَ أَعْلَمُ بِاللَّهِ وَمَا يُرِيدُ وَيَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنَ السَّمَاءِ ،ثُمَّ أَشْخَصْنَاهُ:يَا نَبِيَّ اللَّهِ ،امْكُثْ كَمَا أَمَرْتَنَا ،قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا أَخَذَ لَأْمَةَ الْحَرْبِ وَآذَنَ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْعَدُوِّ أَنْ يَرْجِعَ حَتَّى يُقَاتِلَ ،وَقَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ فَأَبَيْتُمْ إِلَّا الْخُرُوجَ ،فَعَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالصَّبْرِ عِنْدَ الْبَأْسِ ،إِذَا لَقِيتُمُ الْعَدُوَّ انْظُرُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوهُ"،فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَالْمُسْلِمُونَ فَسَلَكُوا عَلَى الْبَدَائِعِ ،وَهُمْ أَلْفُ رَجُلٍ ،وَالْمُشْرِكُونَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ ،فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى نَزَلَ بِأُحُدٍ ،وَرَجَعَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ ،فَبَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي سَبْعِمِائَةٍ ،فَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ:
إِنَّا بِهَذَا الْجِذْعِ لَوْ كَانَ أَهْلُهُ سِوَانَا لَقَدْ سَارُوا بِلَيْلٍ فَأَقْشَعُوا
جِلَادٌ عَلَى رَيْبِ الْحَوَادِثِ لَا تَرَى عَلَى هَالِكٍ عَيْنًا لَنَا الدَّهْرَ تَدْمَعُ
ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَنَحْنُ نَصِيَّةٌ ثَلَاثُ مِيِينٍ إِنْ كَثُرْنَا وَأَرْبَعُ
فَرَاحُوا سِرَاعًا مُوجِفِينَ كَأَنَّهُمْ غَمَامٌ هَرَاقَتْ مَاءَهَا الرِّيحُ تُقْلِعُ
وَرُحْنَا وَأُخْرَانَا بِطَاءٌ كَأَنَّنَا أُسُودٌ عَلَى لَحْمٍ بِبِيشَةَ ظُلَّعُ
فَلَمَّا رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِالثَّلَاثِمِائَةٍ ،سُقِطَ فِي أَيْدِي الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ،وَهَمَّتَا أَنْ تَقْتَتِلَا ،وَهُمَا:بَنُو حَارِثَةَ وَبَنُو سَلِمَةَ كَمَا يُقَالُ ،وَصَفَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَالْمُسْلِمُونَ بِأَصْلِ أُحُدٍ ،وَصَفَّ الْمُشْرِكُونَ بِالسَّبَخَةِ الَّتِي قِبَلَ أُحُدٍ ،وَتَعَبَّأَ الْفَرِيقَانِ لِلْقِتَالِ ،وَجَعَلَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى خَيْلِهِمْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ،وَمَعَهُمْ مِائَةُ فَرَسٍ ،وَلَيْسَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَرَسٌ ،وَحَامِلُ لِوَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ ،وَاشْتَكَى صَاحِبُ لِوَائِهِمْ طَلْحَةُ بْنُ عُثْمَانَ أَخُو شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ ،وَكَانَتْ لَهُمُ الْحِجَابَةُ وَالنَّدْوَةُ وَاللِّوَاءُ ،فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ:إِنَّ اللِّوَاءَ ضَاعَ يَوْمَ بَدْرٍ حَتَّى قُتِلَ حَوْلَهُ مَنْ قَدْ عَلِمْتُمْ ،وَأَرَى أَنْ أُعَارِضَهُمْ بِلِوَاءٍ آخَرَ ،فَقَالَ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ وَالْأَحْلَافُ:إِنْ شِئْتُمْ فَارْفَعُوا لِوَاءً آخَرَ ،وَلَكِنْ لَا يَرْفَعُهُ إِلَّا رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ ،فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ:بَلْ عَلَيْكُمْ بِلِوَائِكُمْ فَاصْبِرُوا عِنْدَهُ . وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَمْسِينَ رَجُلًا مِنَ الرُّمَاةِ فَجَعَلَهُمْ نَحْوَ خَيْلِ الْعَدُوِّ ،وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ أَخَا خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ ،وَقَالَ لَهُمْ:"أَيُّهَا الرُّمَاةُ ،إِذَا أَخَذْنَا مَنَازِلَنَا مِنَ الْقِتَالِ فَإِنْ رَأَيْتُمْ خَيْلَ الْمُشْرِكِينَ تَحَرَّكَتْ وَانْهَزَمَ أَعْدَاءُ اللَّهِ ،فَلَا تَتْرُكُوا مَنَازِلَكُمْ ،إِنِّي أَتَقَدَّمُ إِلَيْكُمْ أَنْ لَا يُفَارِقَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ مَكَانَهُ وَاكْفُونِي"