هُمْ أَكْثَرُ قُرْآنًا فَيُقَدِّمُهُ فِى اللَّحْدِ ،وَكَفَّنَ الرَّجْلَيْنِ وَالثَّلاَثَةَ فِى الثَّوْبِ الْوَاحِدِ". [1] [2] "
هذه بعض اللقطات من المعركة التي تجاور فيها النصر والهزيمة،لا تفرق بينهما إلا لحظة من الزمان،وإلا مخالفة عن الأمر،وإلا حركة من الهوى،وإلا لفتة من الشهوة! والتي تجاورت فيها القيم العالية والسفوح الهابطة! والنماذج الفريدة في تاريخ الإيمان والبطولة،وفي تاريخ النفاق والهزيمة! وهي مجموعة تكشف عن حالة من عدم التناسق في الصف حينذاك،كما تكشف عن حالة من الغبش في تصورات بعض المسلمين ..وهذه وتلك أنشأت - وفق سنة اللّه وقدره - هذه النتائج التي ذاقها المسلمون وهذه التضحيات الجسام،التي تتراءى على قمتها تلك التي أصابت رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - والتي لا شك أن الصحابة حين ذاك كانوا يحسونها بعمق وعنف،ويرونها أشد ما نالهم من الآلام.وقد دفعوا الثمن غاليا ليتلقوا الدرس عاليا،وليمحص اللّه القلوب ويميز الصفوف،وليعد الجماعة المسلمة للمهمة العظمى التي ناطها بها:مهمة القيادة الراشدة للبشرية،وإقرار منهج اللّه في الأرض في صورته المثالية الواقعية ..فلننظر إذن كيف عالج القرآن الكريم الموقف بطريقة القرآن.
إن النص القرآني لا يتتبع أحداث المعركة للرواية والعرض ولكنه يتتبع دخائل النفوس وخوالج القلوب ويتخذ من الأحداث مادة تنبيه وتنوير وتوجيه ..
وهو لا يعرض الحوادث عرضا تاريخيا مسلسلا بقصد التسجيل إنما هو يعرضها للعبرة والتربية واستخلاص القيم الكامنة وراء الحوادث ورسم سمات النفوس،وخلجات القلوب،وتصوير الجو الذي صاحبها والسنن الكونية التي تحكمها والمبادئ الباقية التي تقررها.وبذلك تستحيل الحادثة محورا أو نقطة ارتكاز لثروة ضخمة من المشاعر والسمات،والنتائج والاستدلالات.يبدأ السياق منها ثم يستطرد حولها ثم يعود إليها ثم يجول في أعماق الضمائر،وفي أغوار الحياة ويكرر هذا مرة بعد مرة،حتى ينتهي برواية الحادث إلى نهايتها وقد ضم جناحيه على حفل من المعاني والدلائل والقيم والمبادئ،لم تكن رواية الحادث إلا وسيلة إليها،ونقطة ارتكاز تتجمع حواليها.وحتى يكون قد تناول ملابسات الحادث
(1) - السنن الكبرى للبيهقي- المكنز [4 /10] ( 7046) صحيح
(2) - الطَّبَقَاتُ الْكُبْرَى لِابْنِ سَعْدٍ (4261) صحيح