وفي التعبير تصوير حي للارتداد: «انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ» .. «وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ» .فهذه الحركة الحسية في الانقلاب تجسم معنى الارتداد عن هذه العقيدة،كأنه منظر مشهود،والمقصود أصلا ليس حركة الارتداد الحسية بالهزيمة في المعركة،ولكن حركة الارتداد النفسية التي صاحبتها حينما هتف الهاتف:إن محمدا قد قتل،فأحس بعض المسلمين أن لا جدوى إذن من قتال المشركين،وبموت محمد انتهى أمر هذا الدين،وانتهى أمر الجهاد للمشركين! فهذه الحركة النفسية يجسمها التعبير هنا،فيصورها حركة ارتداد على الأعقاب،كارتدادهم في المعركة على الأعقاب!
وهذا هو الذي حذرهم إياه النضر بن أنس - رضي اللّه عنه - قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:وَحَدّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ رَافِع أَخُو بَنِي عَدِيّ بْنِ النّجّارِ قَالَ انْتَهَى أَنَسُ بْنُ النّضْرِ،عَمّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ،إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ،وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللّهِ،فِي رِجَالٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ،وَقَدْ أَلْقَوْا بِأَيْدِيهِمْ فَقَالَ مَا يُجْلِسُكُمْ ؟ قَالُوا:قُتِلَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ فَمَاذَا تَصْنَعُونَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَهُ ؟ ( قُومُوا ) فَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ثُمّ اسْتَقْبَلَ الْقَوْمَ فَقَاتَلَ حَتّى قُتِلَ وَبَهْ سُمّيَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ .قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:فَحَدّثَنِي حُمَيْد الطّوِيلُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ،قَالَ لَقَدْ وَجَدْنَا بِأَنَسِ بْنِ النّضْرِ يَوْمئِذٍ سَبْعِينَ ضَرْبَةً فَمَا عَرَفَهُ إلّا أُخْتُهُ عَرَفَتْهُ بِبَنَانهِ [1] .
(1) - سيرة ابن هشام [2 /82] صحيح مرسل