فهرس الكتاب

الصفحة 784 من 4997

وعَنْ حُمَيْدٍ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسًا . حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ حَدَّثَنَا زِيَادٌ قَالَ حَدَّثَنِى حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - قَالَ غَابَ عَمِّى أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ،غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ ،لَئِنِ اللَّهُ أَشْهَدَنِى قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ ،فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ قَالَ « اللَّهُمَّ إِنِّى أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاَءِ - يَعْنِى أَصْحَابَهُ - وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاَءِ » - يَعْنِى الْمُشْرِكِينَ - ثُمَّ تَقَدَّمَ ،فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ،فَقَالَ يَا سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ ،الْجَنَّةَ ،وَرَبِّ النَّضْرِ إِنِّى أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ . قَالَ سَعْدٌ فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَنَعَ . قَالَ أَنَسٌ فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ ،وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ ،فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلاَّ أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ . قَالَ أَنَسٌ كُنَّا نَرَى أَوْ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِى أَشْبَاهِهِ ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) إِلَى آخِرِ الآيَةِ [1] . .

«وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا» ..فإنما هو الخاسر،الذي يؤذي نفسه فيتنكب الطريق ..وانقلابه لن يضر اللّه شيئا.فاللّه غني عن الناس وعن إيمانهم.ولكنه - رحمة منه بالعباد - شرع لهم هذا المنهج لسعادتهم هم،ولخيرهم هم.وما يتنكبه متنكب حتى يلاقي جزاءه من الشقوة والحيرة في ذات نفسه وفيمن حوله.وحتى يفسد النظام وتفسد الحياة ويفسد الخلق،وتعوج الأمور كلها،ويذوق الناس وبال أمرهم في تنكبهم للمنهج الوحيد الذي تستقيم في ظله الحياة،وتستقيم في ظله النفوس،وتجد الفطرة في ظله السلام مع ذاتها،والسلام مع الكون الذي تعيش فيه.

«وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» ..الذين يعرفون مقدار النعمة التي منحها اللّه لعباده في إعطائهم هذا المنهج،فيشكرونها باتباع المنهج،ويشكرونها بالثناء على اللّه،ومن ثم يسعدون بالمنهج فيكون هذا جزاء طيبا على شكرهم،ثم يسعدون بجزاء اللّه لهم في الآخرة،وهو أكبر وأبقى ..

وكأنما أراد اللّه - سبحانه - بهذه الحادثة،وبهذه الآية،أن يفطم المسلمين عن تعلقهم الشديد بشخص النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو حي بينهم.وأن يصلهم مباشرة بالنبع.النبع الذي لم يفجره محمد - صلى الله عليه وسلم - ولكن جاء فقط ليومئ إليه،ويدعو البشر إلى فيضه المتدفق،كما أومأ إليه من قبله من الرسل،ودعوا القافلة إلى الارتواء منه! وكأنما أراد اللّه - سبحانه - أن يأخذ بأيديهم،فيصلها مباشرة بالعروة الوثقى.العروة التي لم يعقدها محمد - صلى الله عليه وسلم - إنما جاء ليعقد بها أيدي البشر،ثم يدعهم عليها ويمضي وهم بها مستمسكون! وكأنما أراد اللّه - سبحانه - أن يجعل ارتباط المسلمين بالإسلام مباشرة،وأن يجعل عهدهم مع اللّه مباشرة،وأن يجعل مسؤوليتهم في هذا العهد أمام اللّه بلا وسيط.حتى يستشعروا تبعتهم المباشرة،التي لا يخليهم منها أن يموت الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو يقتل،فهم إنما بايعوا اللّه.وهم أمام اللّه مسؤولون! وكأنما كان اللّه - سبحانه - يعدّ الجماعة المسلمة لتلقي هذه الصدمة الكبرى - حين تقع

(1) - صحيح البخارى- المكنز [10 /207] (2805 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت