فهرس الكتاب
قُلُوبِهِمْ.وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ،وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ.وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ» ..
وحين ننظر في هذه المجموعة من الآيات نظرة فاحصة نجدها قد ضمت جوانحها على حشد ضخم من المشاهد الفائضة الحيوية،ومن الحقائق الكبيرة الأصيلة في التصور الإسلامي،وفي الحياة الإنسانية.وفي السنن الكونية ..نجدها تصور المعركة كلها بلمسات سريعة حية متحركة عميقة،فلا تدع منها جانبا إلا سجلته تسجيلا يستجيش المشاعر والخواطر وهي بدون شك أشد حيوية وأشد استحضارا للمعركة بجوها وملابساتها ووقائعها،وبكل الخلجات النفسية والحركات الشعورية لمصاحبة لها ..من كل تصوير آخر رود في روايات السيرة - على طولها وتشعبها - ثم نجدها تضم جوانحها على ذلك الحشد من الحقائق في صورتها الحية الفاعلة في النفوس،البانية للتصور الصحيح.
وما من شك أن احتشاد هذه المشاهد كلها،وهذه الحقائق كلها،في هذا القدر من الألفاظ والعبارات - مع حيويتها وحركتها وإيحائها على هذا النحو - أمر غير معهود في التعبير البشري.يدرك ذلك من يدركون أسرار الأساليب،وطاقات الأداء،وبخاصة من يعالجون منهم التعبير،ويعانون أسرار الأداء!
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ.بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ» ..
لقد انتهز الكفار والمنافقون واليهود في المدينة ما أصاب المسلمين من الهزيمة والقتل والقرح،ليثبطوا عزائمهم،ويخوفوهم عاقبة السير مع محمد،ويصوروا لهم مخاوف القتال،وعواقب الاشتباك مع مشركي قريش وحلفائهم ..وجو الهزيمة هو أصلح الأجواء لبلبلة القلوب،وخلخلة الصفوف،وإشاعة عدم الثقة في القيادة والتشكيك في جدوى الإصرار على المعركة مع الأقوياء وتزيين الانسحاب منها،ومسالمة المنتصرين فيها! مع إثارة المواجع الشخصية والآلام الفردية وتحويلها كلها لهدم كيان الجماعة،ثم لهدم كيان العقيدة،ثم للاستسلام للأقوياء الغالبين! ومن ثم يحذر اللّه الذين آمنوا أن يطيعوا الذين كفروا.فطاعة الذين كفروا عاقبتها الخسارة المؤكدة،وليس فيها ربح ولا منفعة.فيها الانقلاب على الأعقاب إلى الكفر.فالمؤمن إما أن يمضي في طريقه يجاهد الكفر والكفار،ويكافح الباطل والمبطلين،وإما أن يرتد على عقبيه كافرا - والعياذ باللّه - ومحال أن يقف سلبيا بين بين،محافظا على موقفه،ومحتفظا بدينه ..إنه قد يخيل إليه هذا ..يخيل إليه في أعقاب الهزيمة،وتحت وطأة الجرح والقرح،أنه مستطيع أن ينسحب من المعركة مع الأقوياء الغالبين وأن يسالمهم ويطيعهم،وهو مع هذا محتفظ بدينه وعقيدته وإيمانه وكيانه! وهو وهم كبير.فالذي لا يتحرك إلى الأمام في هذا المجال لا بد أن يرتد إلى الوراء،والذي لا يكافح الكفر والشر والضلال والباطل والطغيان،لا بد أن يتخاذل ويتقهقر ويرتد على عقبيه إلى الكفر والشر والضلال والباطل والطغيان! والذي لا تعصمه عقيدته ولا