فهرس الكتاب

الصفحة 792 من 4997

ولقد استحر القتل في المشركين حتى ولوا الأدبار،وتركوا وراءهم الغنائم،وسقط لواؤهم فلم تمتد يد لرفعه حتى رفعته لهم امرأة! ..ولم ينقلب النصر هزيمة للمسلمين إلا حين ضعفت نفوس الرماة أمام إغراء الغنائم ،وتنازعوا فيما بينهم،وخالفوا عن أمر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - نبيهم وقائدهم ..وهنا يردهم السياق إلى صميم المعركة ومشاهدها ومواقفها وأحداثها وملابساتها،في حيوية عجيبة: « وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ،إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ،حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ،وَعَصَيْتُمْ - مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ:مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ.ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ.وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ،وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ،وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ،فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ،لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ.وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ.ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ،وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ،يَقُولُونَ:هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيء ؟ قُلْ:إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ.يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ.يَقُولُونَ:لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا.قُلْ:لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ.وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ.وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ،وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ.إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا.وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ.إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ» ..

إن التعبير القرآني هنا ليرسم مشهدا كاملا لمسرح المعركة،ولتداول النصر والهزيمة.مشهدا لا يترك حركة في الميدان،ولا خاطرة في النفوس،ولا سمة في الوجوه،ولا خالجة في الضمائر،إلا ويثبتها ..وكأن العبارات شريط مصور يمر بالبصر،ويحمل في كل حركة صورا جديدة نابضة.وبخاصة حين يصور حركة الإصعاد في الجبل،والهروب في دهش وذعر،ودعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - للفارين المرتدين عن المعركة،المصعدين للهرب.يصحب ذلك كله حركة النفوس،وما يدور فيها من خوالج وخواطر وانفعالات ومطامع ..

ومع هذا الحشد من الصور الحية المتحركة النابضة،تلك التوجيهات والتقريرات التي يتميز بها أسلوب القرآن،ومنهج القرآن التربوي العجيب: «وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ» ..

وكان ذلك في مطالع المعركة،حيث بدأ المسلمون يحسون المشركين،أي يخمدون حسهم،أو يستأصلون شأفتهم.قبل أن يلهيهم الطمع في الغنيمة.وكان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قد قال لهم: «لكم النصر ما صبرتم» فصدقهم اللّه وعده على لسان نبيه.

«حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ:مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ» ..

وهو تقرير لحال الرماة.وقد ضعف فريق منهم أمام إغراء الغنيمة ووقع النزاع بينهم وبين من يرون الطاعة المطلقة لأمر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وانتهى الأمر إلى العصيان.بعد ما رأوا بأعينهم طلائع النصر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت