فهرس الكتاب

الصفحة 793 من 4997

الذي يحبونه.فكانوا فريقين:فريقا يريد غنيمة الدنيا،وفريقا يريد ثواب الآخرة.وتوزعت القلوب فلم يعد الصف وحدة،ولم يعد الهدف واحدا.وشابت المطامع جلاء الإخلاص والتجرد الذي لا بد منه في معركة العقيدة.فمعركة العقيدة ليست ككل معركة.إنها معركة في الميدان ومعركة في الضمير.ولا انتصار في معركة الميدان دون الانتصار في معركة الضمير.إنها معركة للّه،فلا ينصر اللّه فيها إلا من خلصت نفوسهم له.

وما داموا يرفعون راية اللّه وينتسبون إليها،فإن اللّه لا يمنحهم النصر إلا إذا محصهم ومحضهم للراية التي رفعوها كي لا يكون هناك غش ولا دخل ولا تمويه بالراية.ولقد يغلب المبطلون الذين يرفعون راية الباطل صريحة في بعض المعارك - لحكمة يعلمها اللّه - أما الذين يرفعون راية العقيدة ولا يخلصون لها إخلاص التجرد،فلا يمنحهم اللّه النصر أبدا،حتى يبتليهم فيتمحصوا ويتمحضوا ..وهذا ما يريد القرآن أن يجلوه للجماعة المسلمة بهذه الإشارة إلى موقفهم في المعركة،وهذا ما أراد اللّه - سبحانه - أن يعلمه للجماعة المسلمة،وهي تتلقى الهزيمة المريرة والقرح الأليم ثمرة لهذا الموقف المضطرب المتأرجح! «مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ» ..والقرآن يسلط الأضواء على خفايا القلوب،التي ما كان المسلمون أنفسهم يعرفون وجودها في قلوبهم ..

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُرِيدُ الدُّنْيَا حَتَّى نَزَلَتْ فِينَا يَوْمَ أُحُدٍ:مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ .رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ [1] ..وبذلك يضع قلوبهم أمامهم مكشوفة بما فيها ويعرفهم من أين جاءتهم الهزيمة ليتقوها! وفي الوقت ذاته يكشف لهم عن طرف من حكمة اللّه وتدبيره وراء هذه الآلام التي تعرضوا لها ووراء هذه الأحداث التي وقعت بأسبابها الظاهرة: «ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ» ..

لقد كان هناك قدر اللّه وراء أفعال البشر.فلما أن ضعفوا وتنازعوا وعصوا صرف اللّه قوتهم وبأسهم وانتباههم عن المشركين،وصرف الرماة عن ثغرة الجبل،وصرف المقاتلين عن الميدان،فلاذوا بالفرار ..

وقع كل هذا مرتبا على ما صدر منهم ولكن مدبرا من اللّه ليبتليهم ..ليبتليهم بالشدة والخوف والهزيمة والقتل والقرح وما يتكشف عنه هذا كله من كشف مكنونات القلوب،ومن تمحيص النفوس،وتمييز الصفوف - كما سيجيء.

وهكذا تقع الأحداث مرتبة على أسبابها،وهي في الوقت ذاته مدبرة بحسابها.بلا تعارض بين هذا وذاك.

فلكل حادث سبب،ووراء كل سبب تدبير ..من اللطيف الخبير ..

(1) - المعجم الأوسط للطبراني - (1453 ) حسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت