«وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ» ..عفا عما وقع منكم من ضعف ومن نزاع ومن عصيان وعفا كذلك عما وقع منكم من فرار وانقلاب وارتداد ..عفا عنكم فضلا منه ومنة،وتجاوزا عن ضعفكم البشري الذي لم تصاحبه نية سيئة ولا إصرار على الخطيئة ..عفا عنكم لأنكم تخطئون وتضعفون في دائرة الإيمان باللّه،والاستسلام له،وتسليم قيادكم لمشيئته: «وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ» ..
ومن فضله عليهم أن يعفو عنهم،ما داموا سائرين على منهجه،مقرين بعبوديتهم له لا يدعون من خصائص الألوهية شيئا لأنفسهم،ولا يتلقون نهجهم ولا شريعتهم ولا قيمهم،ولا موازينهم إلا منه ..فإذا وقعت منهم الخطيئة وقعت عن ضعف وعجز أو عن طيش ودفعة ..فيتلقاهم عفو اللّه بعد الابتلاء والتمحيص والخلاص ..
ويستحضر صورة الهزيمة حية متحركة: «إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ،وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ» ..
كي يعمق وقع المشهد في حسهم ويثير الخجل والحياء من الفعل،ومقدماته التي نشأ عنها،من الضعف والتنازع والعصيان ..والعبارة ترسم صورة حركتهم الحسية وحركتهم النفسية في ألفاظ قلائل ..فهم مصعدون في الجبل هربا،في اضطراب ورعب ودهش،لا يلتفت أحد منهم إلى أحد! ولا يجيب أحد منهم داعي أحد! والرسول - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم ليطمئنهم على حياته بعد ما صاح صائح:إن محمدا قد قتل،فزلزل ذلك قلوبهم وأقدامهم ..إنه مشهد كامل في ألفاظ قلائل ..
وكانت النهاية أن يجزيهم اللّه على الغم الذي تركوه في نفس الرسول - صلى الله عليه وسلم - بفرارهم،غما يملأ نفوسهم على ما كان منهم،وعلى تركهم رسولهم الحبيب يصيبه ما أصابه - وهو ثابت دونهم،وهم عنه فارون - ذلك كي لا يحفلوا شيئا فاتهم ولا أذى أصابهم.فهذه التجربة التي مرت بهم،وهذا الألم الذي أصاب نبيهم - وهو أشق عليهم من كل ما نزل بهم - وذلك الندم الذي ساور نفوسهم،وذلك الغم الذي أصابهم ..كل ذلك سيصغر في نفوسهم كلّ ما يفوتهم من عرض،وكل ما يصيبهم من مشقة: « فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ،لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ» ..واللّه المطلع على الخفايا،يعلم حقيقة أعمالكم،ودوافع حركاتكم: «وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ» ..
ولقد أعقب هول الهزيمة وذعرها،وهرجها ومرجها،سكون عجيب.سكون في نفوس المؤمنين الذين ثابوا إلى ربهم،وثابوا إلى نبيهم.لقد شملهم نعاس لطيف يستسلمون إليه مطمئنين! والتعبير عن هذه الظاهرة العجيبة يشف ويرق وينعم،حتى ليصور بجرسه وظله ذلك الجو المطمئن الوديع: «ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ» ..
وهي ظاهرة عجيبة تشي برحمة اللّه التي تحف بعباده المؤمنين فالنعاس حين يلم بالمجهدين المرهقين المفزعين،ولو لحظة واحدة،يفعل في كيانهم فعل السحر،ويردهم خلقا جديدا،ويسكب في قلوبهم