فهرس الكتاب

الصفحة 795 من 4997

الطمأنينة،كما يسكب في كيانهم الراحة.بطريقة مجهولة الكنه والكيف! أقول هذا وقد جربته في لحظة كرب وشدة.

فأحسست فيه رحمة اللّه الندية العميقة بصورة تعجز عن وصفها العبارة البشرية القاصرة! روى الترمذي عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِى طَلْحَةَ قَالَ رَفَعْتُ رَأْسِى يَوْمَ أُحُدٍ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ وَمَا مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلاَّ يَمِيدُ تَحْتَ حَجَفَتِهِ مِنَ النُّعَاسِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا ) . [1] .

وفي رواية أخرى عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا أَنَسٌ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَالَ غَشِيَنَا النُّعَاسُ وَنَحْنُ فِى مَصَافِّنَا يَوْمَ أُحُدٍ - قَالَ - فَجَعَلَ سَيْفِى يَسْقُطُ مِنْ يَدِى وَآخُذُهُ ،وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ . [2] ..

أما الطائفة الأخرى فهم ذوو الإيمان المزعزع،الذين شغلتهم أنفسهم وأهمتهم،والذين لم يتخلصوا من تصورات الجاهلية،ولم يسلموا أنفسهم كلها للّه خالصة،ولم يستسلموا بكليتهم لقدره،ولم تطمئن قلوبهم إلى أن ما أصابهم إنما هو ابتلاء للتمحيص،وليس تخليا من اللّه عن أوليائه لأعدائه،ولا قضاء منه - سبحانه - للكفر والشر والباطل بالغلبة الأخيرة والنصر الكامل: « وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ،يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ.يَقُولُونَ:هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيء ؟» ..

إن هذه العقيدة تعلم أصحابها - فيما تعلم - أن ليس لهم في أنفسهم شيء،فهم كلهم للّه وأنهم حين يخرجون للجهاد في سبيله يخرجون له،ويتحركون له،ويقاتلون له،بلا هدف آخر لذواتهم في هذا الجهاد،وأنهم يسلمون أنفسهم لقدره،فيتلقون ما يأتيهم به هذا القدر في رضى وفي تسليم،كائنا هذا القدر ما يكون.

فأما الذين تهمهم أنفسهم،وتصبح محور تفكيرهم وتقديرهم،ومحور اهتمامهم وانشغالهم ..فهؤلاء لم تكتمل في نفوسهم حقيقة الإيمان.ومن هؤلاء كانت تلك الطائفة الأخرى التي يتحدث عنها القرآن في هذا الموضع.طائفة الذين شغلتهم أنفسهم وأهمتهم،فهم في قلق وفي أرجحة،يحسون أنهم مضيعون في أمر غير واضح في تصورهم،ويرون أنهم دفعوا إلى المعركة دفعا ولا إرادة لهم فيها وهم مع ذلك يتعرضون للبلاء المرير،ويؤدون الثمن فادحا من القتل والقرح والألم ..وهم لا يعرفون اللّه على حقيقته،فهم يظنون باللّه غير الحق،كما تظن الجاهلية.ومن الظن غير الحق باللّه أن يتصوروا أنه - سبحانه - مضيعهم في هذه المعركة،التي ليس لهم من أمرها شيء،وإنما دفعوا إليها دفعا ليموتوا ويجرحوا،واللّه لا ينصرهم ولا ينقذهم إنما يدعهم فريسة لأعدائهم،ويتساءلون:

«هل لنا من الأمر من شيء ؟» .

(1) - سنن الترمذى- المكنز [11 /247] (3277 ) صحيح

الحجفة:الترس من جلد بلا خشب وهو نوع من السلاح =يميد:يتحرك ويميل

(2) - صحيح البخارى- المكنز [15 /83] (4562)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت