وتتضمن قولتهم هذه الاعتراض على خطة القيادة والمعركة ..ولعلهم ممن كان رأيهم عدم الخروج من المدينة ممن لم يرجعوا مع عبد اللّه بن أبي ..ولكن قلوبهم لم تكن قد استقرت واطمأنت ..
وقبل أن يكمل السياق عرض وساوسهم وظنونهم،يبادر بتصحيح الأمر وتقرير الحقيقة فيما يتساءلون فيه،ويرد على قولتهم: «هل لنا من الأمر من شيء ؟» .
« قُلْ:إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ» ..فلا أمر لأحد.لا لهم ولا لغيرهم.ومن قبل قال اللّه لنبيه - صلى الله عليه وسلم - «ليس لك من الأمر شيء » .فأمر هذا الدين،والجهاد لإقامته وتقرير نظامه في الأرض،وهداية القلوب له ..كلها من أمر اللّه،وليس للبشر فيها من شيء،إلا أن يؤدوا واجبهم،ويفوا ببيعتهم،ثم يكون ما يشاؤه اللّه كيف يكون! ويكشف كذلك خبيئة نفوسهم قبل أن يكمل عرض وساوسهم وظنونهم: «يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ» ..
فنفوسهم ملأى بالوساوس والهواجس،حافلة بالاعتراضات والاحتجاجات وسؤالهم: «هل لنا من الأمر من شيء » ..يخفي وراءه شعورهم بأنهم دفعوا إلى مصير لم يختاروه! وأنهم ضحية سوء القيادة،وأنهم لو كانوا هم الذين يديرون المعركة ما لاقوا هذا المصير.
«يَقُولُونَ:لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا» ..وهو الهاجس الذي يجيش في النفوس التي لم تخلص للعقيدة،حينما تصطدم في موقعة بالهزيمة،وحينما تعاني آلام الهزيمة! حين ترى الثمن أفدح مما كانت تظن وأن الثمرة أشد مرارة مما كانت تتوقع وحين تفتش في ضمائرها فلا ترى الأمر واضحا ولا مستقرا وحين تتخيل أن تصرف القيادة هو الذي ألقى بها في هذه المهلكة،وكانت في نجوة من الأمر لو كان أمرها في يدها! وهي لا يمكن - بهذا الغبش في التصور - أن ترى يد اللّه وراء الأحداث،ولا حكمته في الابتلاء .إنما المسألة كلها - في اعتبار ها - خسارة في خسارة! وضياع في ضياع! هنا يجيئهم التصحيح العميق للأمر كله.لأمر الحياة والموت.ولأمر الحكمة الكامنة وراء الابتلاء: «قُلْ:لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ.وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ،وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ،وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» ..
قل لو كنتم في بيوتكم ولم تخرجوا للمعركة تلبية لنداء القيادة،وكان أمركم كله لتقديركم ..لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ..إن هنالك أجلا مكتوبا لا يستقدم ولا يستأخر.وإن هنالك مضجعا مقسوما لا بد أن يجيء إليه صاحبه فيضجع فيه! فإذا حم الأجل،سعى صاحبه بقدميه إليه،وجاء إلى مضجعه برجليه،لا يسوقه أحد إلى أجله المرسوم،ولا يدفعه أحد إلى مضجعه المقسوم! ويا للتعبير العجيب .. «إِلى مَضاجِعِهِمْ» ..فهو مضجع إذن ذلك الرمس الذي تستريح فيه الجنوب،وتسكن فيه الخطى،وينتهي إليه الضاربون في الأرض ..مضجع يأتون إليه بدافع خفي لا يدركونه ولا يملكونه،إنما هو يدركهم ويملكهم ويتصرف في أمرهم كما يشاء.والاستسلام له أروح للقلب،وأهدأ للنفس،وأريح للضمير! إنه قدر اللّه.ووراءه حكمته: