«وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ،وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ» ..
فليس كالمحنة محك يكشف ما في الصدور،ويصهر ما في القلوب،فينفي عنها الزيف والرياء،ويكشفها على حقيقتها بلا طلاء ..فهو الابتلاء والاختيار لما في الصدور،ليظهر على حقيقته،وهو التطهير والتصفية للقلوب،فلا يبقى فيها دخل ولا زيف.وهو التصحيح والتجلية للتصور فلا يبقى فيه غبش ولا خلل: «وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» .
وذات الصدور هي الأسرار الخفية الملازمة للصدور،المختبئة فيها،المصاحبة لها،التي لا تبارحها ولا تتكشف في النور! واللّه عليم بذات الصدور هذه.ولكنه - سبحانه - يريد أن يكشفها للناس،ويكشفها لأصحابها أنفسهم،فقد لا يعلمونها من أنفسهم،حتى تنفضها الأحداث وتكشفها لهم! ولقد علم اللّه دخيلة الذين هزموا وفروا يوم التقى الجمعان في الغزوة.إنهم ضعفوا وتولوا بسبب معصية ارتكبوها فظلت نفوسهم مزعزعة بسببها،فدخل عليهم الشيطان من ذلك المنفذ،واستزلهم فزلوا وسقطوا: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا.وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ،إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ» ..
وقد تكون الإشارة في هذه الآية خاصة بالرماة الذين جال في نفوسهم الطمع في الغنيمة كما جال فيها أن رسول اللّه سيحرمهم أنصبتهم.فكان هذا هو الذي كسبوه،وهو الذي استزلهم الشيطان به
ولكنها في عمومها تصوير لحالة النفس البشرية حين ترتكب الخطيئة،فتفقد ثقتها في قوتها،ويضعف باللّه ارتباطها،ويختل توازنها وتماسكها،وتصبح عرضة للوساوس والهواجس،بسبب تخلخل صلتها باللّه وثقتها من رضاه! وعندئذ يجد الشيطان طريقه إلى هذه النفس،فيقودها إلى الزلة بعد الزلة،وهي بعيدة عن الحمى الآمن،والركن الركين.
ومن هنا كان الاستغفار من الذنب هو أول ما توجه به الرّبيون الذين قاتلوا مع النبيين في مواجهة الأعداء.
الاستغفار الذي يردهم إلى اللّه،ويقوي صلتهم به،ويعفي قلوبهم من الأرجحة،ويطرد عنها الوساوس،ويسد الثغرة التي يدخل منها الشيطان،ثغرة الانقطاع عن اللّه،والبعد عن حماه.هذه الثغرة التي يدخل منها فيزل أقدامهم مرة ومرة،حتى ينقطع بهم في التيه،بعيدا بعيدا عن الحمى الذي لا ينالهم فيه!
ويحدثهم اللّه أن رحمته أدركتهم،فلم يدع الشيطان ينقطع بهم،فعفا عنهم ..ويعرفهم بنفسه - سبحانه - فهو غفور حليم.لا يطرد الخطاة ولا يعجل عليهم متى علم من نفوسهم التطلع إليه،والاتصال به ولم يعلم منها التمرد والتفلت والإباق!
ويتم السياق بيان حقيقة قدر اللّه في الموت والحياة،وزيف تصورات الكفار والمنافقين عن هذا الأمر،مناديا الذين آمنوا بالتحذير من أن تكون تصوراتهم كتصورات هؤلاء.ويردهم في النهاية إلى قيم