ثم يمضي السياق القرآني في جولة جديدة.جولة محورها شخص رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وحقيقته النبوية الكريمة وقيمة هذه الحقيقة الكبيرة في حياة الأمة المسلمة ومدى ما يتجلى فيها من رحمة اللّه بهذه الأمة ..وحول هذا المحور خيوط أخرى من المنهج الإسلامي في تنظيم حياة الجماعة المسلمة،وأسس هذا التنظيم ومن التصور الإسلامي والحقائق التي يقوم عليها،ومن قيمة هذا التصور وذلك المنهج في حياة البشرية بصفة عامة: «فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ.وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ.فَاعْفُ عَنْهُمْ،وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ،وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ.فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ،إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ،وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ؟ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ.وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ،ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ.أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ،وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ؟ هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ،وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ.لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ،يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ،وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ،وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» ..
وننظر في هذه الفقرة،وفي الحقائق الكثيرة الأصيلة المشدودة إلى محورها - وهي الحقيقة النبوية الكريمة - فنجد كذلك أصولا كبيرة تحتويها عبارات قصيرة ..نجد حقيقة الرحمة الإلهية المتمثلة في أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - وطبيعته الخيرة الرحيمة الهينة اللينة،المعدة لأن تتجمع عليها القلوب وتتألف حولها النفوس ..
ونجد أصل النظام الذي تقوم عليه الحياة الجماعية الإسلامية - وهو الشورى - يؤمر به في الموضع الذي كان للشورى - في ظاهر الأمر - نتائج مريرة! ونجد مع مبدأ الشورى مبدأ الحزم والمضي - بعد الشورى - في مضاء وحسم.ونجد حقيقة التوكل على اللّه - إلى جانب الشورى والمضاء - حيث تتكامل الأسس التصويرية والحركية والتنظيمية.ونجد حقيقة قدر اللّه،ورد الأمر كله إليه وفاعليته التي لا فاعلية غيرها في تصريف الأحداث والنتائج.ونجد التحذير من الخيانة والغلول والطمع في الغنيمة.ونجد التفرقة الحاسمة بين من اتبع رضوان اللّه ومن باء بسخط من اللّه،تبرز منها حقيقة القيم والاعتبار ات والكسب والخسارة ..وتختم الفقرة بالإشادة بالمنة الإلهية الممثلة في رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هذه الأمة،المنة التي تتضاءل إلى جانبها الغنائم،كما تتضاءل إلى جانبها الآلام سواء! هذا الحشد كله في تلك الآيات القلائل المعدودات!
«فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ.وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ.فَاعْفُ عَنْهُمْ،وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ،وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ.فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ.إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ» .
إن السياق يتجه هنا إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وفي نفسه شيء من القوم تحمسوا للخروج،ثم اضطربت صفوفهم،فرجع ثلث الجيش قبل المعركة وخالفوا - بعد ذلك - عن أمره،وضعفوا أمام إغراء