فهرس الكتاب

الصفحة 801 من 4997

الغنيمة،ووهنوا أمام إشاعة مقتله،وانقلبوا على أعقابهم مهزومين،وأفردوه في النفر القليل،وتركوه يثخن بالجراح وهو صامد يدعوهم في أخراهم،وهم لا يلوون على أحد ..يتوجه إليه - صلى الله عليه وسلم - يطيب قلبه،وإلى المسلمين يشعرهم نعمة اللّه عليهم به.ويذكره ويذكرهم رحمة اللّه الممثلة في خلقه الكريم الرحيم،الذي تتجمع حوله القلوب ..ذلك ليستجيش كوامن الرحمة في قلبه - صلى الله عليه وسلم - فتغلب على ما أثاره تصرفهم فيه وليحسوا هم حقيقة النعمة الإلهية بهذا النبي الرحيم.ثم يدعوه أن يعفو عنهم،ويستغفر اللّه لهم ..وأن يشاورهم في الأمر كما كان يشاورهم غير متأثر بنتائج الموقف لإبطال هذا المبدأ الأساسي في الحياة الإسلامية.

«فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ» ..

فهي رحمة اللّه التي نالته ونالتهم فجعلته - صلى الله عليه وسلم - رحيما بهم،لينا معهم.ولو كان فظا غليظ القلب ما تألفت حوله القلوب،ولا تجمعت حوله المشاعر.فالناس في حاجة إلى كنف رحيم،وإلى رعاية فائقة،وإلى بشاشة سمحة،وإلى ود يسعهم،وحلم لا يضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم ..في حاجة إلى قلب كبير يعطيهم ولا يحتاج منهم إلى عطاء ويحمل همومهم ولا يعنيهم بهمه ويجدون عنده دائما الاهتمام والرعاية والعطف والسماحة والود والرضاء ..وهكذا كان قلب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وهكذا كانت حياته مع الناس.ما غضب لنفسه قط.ولا ضاق صدره بضعفهم البشري.ولا احتجز لنفسه شيئا من أعراض هذه الحياة،بل أعطاهم كل ما ملكت يداه في سماحة ندية.ووسعهم حلمه وبره وعطفه ووده الكريم.وما من واحد منهم عاشره أو رآه إلا امتلأ قلبه بحبه نتيجة لما أفاض عليه - صلى الله عليه وسلم - من نفسه الكبيرة الرحيبة.

وكان هذا كله رحمة من اللّه به وبأمته ..يذكرهم بها في هذا الموقف.ليرتب عليها ما يريده - سبحانه - لحياة هذه الأمة من تنظيم: «فَاعْفُ عَنْهُمْ،وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ،وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» ..

وبهذا النص الجازم: «وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» ..يقرر الإسلام هذا المبدأ في نظام الحكم - حتى ومحمد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - هو الذي يتولاه.وهو نص قاطع لا يدع للأمة المسلمة شكا في أن الشورى مبدأ أساسي،لا يقوم نظام الإسلام على أساس سواه ..أما شكل الشورى،والوسيلة التي تتحقق بها،فهذه أمور قابلة للتحوير والتطوير وفق أوضاع الأمة وملابسات حياتها.وكل شكل وكل وسيلة،تتم بها حقيقة الشورى - لا مظهرها - فهي من الإسلام.

لقد جاء هذا النص عقب وقوع نتائج للشورى تبدو في ظاهرها خطيرة مريرة! فقد كان من جرائها ظاهريا وقوع خلل في وحدة الصف المسلم! اختلفت الآراء.فرأت مجموعة أن يبقى المسلمون في المدينة محتمين بها،حتى إذا هاجمهم العدو قاتلوه على أفواه الأزقة.وتحمست مجموعة أخرى فرأت الخروج للقاء المشركين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت