فهرس الكتاب

الصفحة 807 من 4997

وقد حملت الغنائم إلى عمر - رضي اللّه عنه - بعد القادسية،وفيها تاج كسرى وإيوانه لا يقومان بثمن ..فنظر - رضي اللّه عنه - إلى ما أداه الجند في غبطة وقال: «إن قوما أدوا هذا لأميرهم لأمناء» ..

وهكذا ربى الإسلام المسلمين تلك التربية العجيبة التي تكاد أخبارها تحسب في الأساطير.

ثم يستطرد السياق - في معرض الحديث عن الغنائم والغلول - يوازن بين القيم ..القيم الحقيقية التي يليق أن يلتفت إليها القلب المؤمن،وأن يشغل بها: «أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ،وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ؟ هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ،وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ» ..

إنها النقلة التي تصغر في ظلها الغنائم،ويصغر في ظلها التكفير في هذه الأعراض.وهي لمسة من لمسات المنهج القرآني العجيب في تربية القلوب،ورفع اهتماماتها،وتوسيع آفاقها وشغلها بالسباق الحقيقي في الميدان الأصيل.

«أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» ..

هذه هي القيم،وهذا هو مجال الطمع! ومجال الاختيار.وهذا هو ميدان الكسب والخسارة.وشتان بين من يتبع رضوان اللّه فيفوز به،ومن يعود وفي وطابه سخط اللّه! يذهب به إلى جهنم ..وبئس المصير!

هذه درجة وهذه درجة ..وشتان شتان: «هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ» ..وكل ينال درجته باستحقاق،فلا ظلم ولا إجحاف،ولا محاباة ولا جزاف! «وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ» ..

ثم يختم الفقرة بالرجوع إلى محورها الأصيل:شخص الرسول - صلى الله عليه وسلم - ورسالته وعظم المنة بها على المؤمنين. « لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ،يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ،وَيُزَكِّيهِمْ،وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ،وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» ..

إن ختام هذه الفقرة بهذه الحقيقة الكبيرة.حقيقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقيمتها الذاتية،وعظم المنة الإلهية بها،ودورها في إنشاء هذه الأمة وتعليمها وتربيتها وقيادتها،ونقلها من الضلال المبين إلى العلم والحكمة والطهارة ..إن هذا الختام يتضمن لمسات قرآنية كثيرة منوعة عميقة:

إنها تجيء ابتداء تعقيبا على الغنائم والطمع فيها والغلول،والانشغال بهذا الأمر الصغير،الذي كان الانشغال به هو السبب المباشر الذي قلب الموقف في المعركة،وبدل النصر هزيمة،وفعل بالمسلمين الأفاعيل ..فالإشارة إلى حقيقة الرسالة الكبيرة،والمنة العظيمة المتمثلة فيها،لمسة عميقة من لمسات التربية القرآنية الفريدة.تبدو في ظلها غنائم الأرض كلها،وأسلاب الأرض كلها،وأعراض الأرض كلها،شيئا تافها زهيدا،لا يذكر ولا يقدر.شيئا تخجل النفس المؤمنة أن تذكره،بل تستحي أن تفكر فيه! فضلا عن أن تشغل به! وهي تجيء في سياق الحديث عن الهزيمة والقرح والألم والخسارة التي أصابت الجماعة المسلمة في المعركة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت