لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِىءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِى فَأَقُولُ لاَ أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ ». [1] ..
وروى الإمام أحمد عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيِّ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ لَنَا عَلَى عَمَلٍ،فَكَتَمَنَا مِنْهُ مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ،فَهُوَ غُلٌّ،يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ:فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ أَسْوَدُ،قَالَ مُجَالِدٌ:هُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ،كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ،قَالَ:يَا رَسُولَ اللهِ،اقْبَلْ عَنِّي عَمَلَكَ،فَقَالَ:وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ:سَمِعْتُكَ تَقُولُ:كَذَا وَكَذَا،قَالَ:وَأَنَا أَقُولُ ذَلِكَ الآنَ،مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ،فَلْيَجِئْ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ،فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَهُ،وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى. [2] ..
وقد عملت هذه الآية القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة عملها في تربية الجماعة المسلمة حتى أتت بالعجب العجاب وحتى أنشأت مجموعة من الناس تتمثل فيهم الأمانة والورع والتحرج من الغلول في أية صورة من صوره،كما لم تتمثل قط في مجموعة بشرية.وقد كان الرجل من أفناء الناس من المسلمين يقع في يده الثمين من الغنيمة،لا يراه أحد،فيأتي به إلى أميره،لا تحدثه نفسه بشيء منه،خشية أن ينطبق عليه النص القرآني المرهوب،وخشية أن يلقى نبيه على الصورة المفزعة المخجلة التي حذره أن يلقاه عليها يوم القيامة! فقد كان المسلم يعيش هذه الحقيقة فعلا.وكانت الآخرة في حسه واقعا،وكان يرى صورته تلك أمام نبيه وأمام ربه،فيتوقاها ويفزع أن يكون فيها.وكان هذا هو سر تقواه وخشيته وتحرجه.فالآخرة كانت حقيقة يعيشها،لا وعدا بعيدا! وكان على يقين لا يخالجه الشك من أن كل نفس ستوفى ما كسبت،وهم لا يظلمون ..
روى ابن جرير الطبري في تاريخه قال:لما هبط المسلمون المدائن،وجمعوا الأقباض،أقبل رجل بحق معه،فدفعه إلى صاحب الأقباض.فقال والذين معه:ما رأينا مثل هذا قط،ما يعدله ما عندنا ولا يقاربه.فقالوا:هل أخذت منه شيئا؟ فقال:أما واللّه لولا اللّه ما أتيتكم به.فعرفوا أن للرجل شأنا.فقالوا:من أنت؟ فقال:لا واللّه لا أخبركم لتحمدوني،ولا غيركم ليقرظوني! ولكني أحمد اللّه وأرضى بثوابه.فأتبعوه رجلا حتى انتهى إلى أصحابه،فسأل عنه فإذا عامر بن عبد قيس [3] ..
(1) - صحيح مسلم- المكنز [12 /221] (4839 )
الثغاء:صياح الغنم =الحمحمة:صوت الفرس دون الصهيل =رقاع:ما عليه من الحقوق مكتوبة في رقاع وقيل الثياب التى غلها =الصامت:الذهب والفضة خلاف الناطق وهو الحيوان
(2) - مسند أحمد (عالم الكتب) [6 /82] (17717) 17869 صحيح
قوله:"مخيطًا"قال القاضي عياض كما في"شرح الأبي"6/522:الإبرة.="فليجىء بقليله وكثيره"فيه تعظيم القليل من الغلول.="فما أوتي منه أخذ"ذلك على قدر ما يراه الإمام من استحقاقه في عمله أوحاجته أو سابقته.
(3) - تاريخ الطبري جزء 4 ص 16.