ما تجد الزوجة العاقر أنسا واسترواحا في الأطفال الصغار،تجيء بهم الزوجة الأخرى من زوجها،فيملأون عليهم الدار حركة وبهجة أيا كان ابتئاسها لحرمانها الخاص.
وهكذا حيثما ذهبنا نتأمل الحياة الواقعية بملابساتها العملية،التي لا تصغي للحذلقة،ولا تستجيب للهذر،ولا تستروح للهزل السخيف والتميع المنحل في مواضع الجد الصارم ..وجدنا مظاهر الحكمة العلوية،في سن هذه الرخصة،مقيدة بذلك القيد: «فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ - مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ - فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً» فالرخصة تلبي واقع الفطرة،وواقع الحياة وتحمي المجتمع من الجنوح - تحت ضغط الضرورات الفطرية والواقعية المتنوعة - إلى الانحلال أو الملال ..والقيد يحمي الحياة الزوجية من الفوضى والاختلال،ويحمي الزوجة من الجور والظلم ويحمي كرامة المرأة أن تتعرض للمهانة بدون ضرورة ملجئة واحتياط كامل.ويضمن العدل الذي تحتمل معه الضرورة ومقتضياتها المريرة.
إن أحدا يدرك روح الإسلام واتجاهه،لا يقول:إن التعدد مطلوب لذاته،مستحب بلا مبرر من ضرورة فطرية أو اجتماعية وبلا دافع إلا التلذذ الحيواني،وإلا التنقل بين الزوجات،كما يتنقل الخليل بين الخليلات.
إنما هو ضرورة تواجه ضرورة،وحل يواجه مشكلة.وهو ليس متروكا للهوى،بلا قيد ولا حد في النظام الإسلامي،الذي يواجه كل واقعيات الحياة.
فإذا انحرف جيل من الأجيال في استخدام هذه الرخصة.إذا راح رجال يتخذون من هذه الرخصة فرصة لإحالة الحياة الزوجية مسرحا للذة الحيوانية.إذا أمسوا يتنقلون بين الزوجات كما يتنقل الخليل بين الخليلات.
إذا أنشئوا «الحريم» في هذه الصورة المريبة ..فليس ذلك شأن الإسلام وليس هؤلاء هم الذين يمثلون الإسلام ..إن هؤلاء إنما انحدروا إلى هذا الدرك لأنهم بعدوا عن الإسلام،ولم يدركوا روحه النظيف الكريم.
والسبب أنهم يعيشون في مجتمع لا يحكمه الإسلام،ولا تسيطر فيه شريعته.مجتمع لا تقوم عليه سلطة مسلمة،تدين للإسلام وشريعته وتأخذ الناس بتوجيهات الإسلام وقوانينه،وآدابه وتقاليده.
إن المجتمع المعادي للإسلام المتفلت من شريعته وقانونه،هو المسئول الأول عن هذه الفوضى.هو المسئول الأول عن «الحريم» في صورته الهابطة المريبة.هو المسئول الأول عن اتخاذ الحياة الزوجية مسرح لذة بهيمية.
فمن شاء أن يصلح هذه الحال فليرد الناس إلى الإسلام،وشريعة الإسلام،ومنهج الإسلام فيردهم إلى النظافة والطهارة والاستقامة والاعتدال ..من شاء الإصلاح فليرد الناس إلى الإسلام لا في هذه الجزئية ولكن في منهج الحياة كلها.فالإسلام نظام متكامل لا يعمل إلا وهو كامل شامل ..