فهرس الكتاب

الصفحة 858 من 4997

فطرته وحقيقته،والانطباع بإشاراته وإيحاءاته.ويجعل من كتاب الكون المفتوح كتاب «معرفة» للإنسان المؤمن الموصول باللّه،وبما تبدعه يد اللّه [1] .

وإنه يقرن ابتداء بين توجه القلب إلى ذكر اللّه وعبادته: «قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ» ..وبين التفكر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ..فيسلك هذا التفكر مسلك العبادة،ويجعله جانبا من مشهد الذكر ..فيوحي بهذا الجمع بين الحركتين بحقيقتين هامتين.

الحقيقة الأولى:أن التفكر في خلق اللّه،والتدبر في كتاب الكون المفتوح،وتتبع يد اللّه المبدعة،وهي تحرك هذا الكون،وتقلب صفحات هذا الكتاب ..هو عبادة للّه من صميم العبادة،وذكر للّه من صميم الذكر.ولو اتصلت العلوم الكونية،التي تبحث في تصميم الكون،وفي نواميسه وسننه،وفي قواه ومدخراته،وفي أسراره وطاقاته ..لو اتصلت هذه العلوم بتذكر خالق هذا الكون وذكره،والشعور بجلاله وفضله.لتحولت من فورها إلى عبادة لخالق هذا الكون وصلاة.ولاستقامت الحياة - بهذه العلوم - واتجهت إلى اللّه.

ولكن الاتجاه المادي الكافر،يقطع ما بين الكون وخالقه،ويقطع ما بين العلوم الكونية والحقيقة الأزلية الأبدية ومن هنا يتحول العلم - أجمل هبة من اللّه للإنسان - لعنة تطارد الإنسان،وتحيل حياته إلى جحيم منكرة،وإلى حياة قلقة مهددة،وإلى خواء روحي يطارد الإنسان كالمارد الجبار! 191 - والحقيقة الثانية:أن آيات اللّه في الكون،لا تتجلى على حقيقتها الموحية،إلا للقلوب الذاكرة العابدة.

وأن هؤلاء الذين يذكرون اللّه قياما وقعودا وعلى جنوبهم - وهم يتفكرون في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار - هم الذين تتفتح لبصائرهم الحقائق الكبرى المنطوية في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار،وهم الذين يتصلون من ورائها بالمنهج الإلهي الموصل إلى النجاة والخير والصلاح ..فأما الذين يكتفون بظاهر من الحياة الدنيا،ويصلون إلى أسرار بعض القوى الكونية - بدون هذا الاتصال - فهم يدمرون الحياة ويدمرون أنفسهم بما يصلون إليه من هذه الأسرار،ويحولون حياتهم إلى جحيم نكد،وإلى قلق خانق.ثم ينتهون إلى غضب اللّه وعذابه في نهاية المطاف! فهما أمران متلازمان،تعرضهما هذه الصورة التي يرسمها القرآن لأولي الألباب في لحظة الاستقبال والاستجابة والاتصال.

إنها لحظة تمثل صفاء القلب،وشفافية الروح،وتفتح الإدراك،واستعداده للتلقي.كما تمثل الاستجابة والتأثر والانطباع ..

إنها لحظة العبادة.وهي بهذا الوصف لحظة اتصال،ولحظة استقبال.فلا عجب أن يكون الاستعداد فيها لإدراك الآيات الكونية أكبر وأن يكون مجرد التفكر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل

(1) - كتاب خصائص التصور الإسلامي ومقوماته «فكرة الإسلام عن اللّه والكون والحياة والإنسان» . «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت