والنهار،ملهما للحقيقة الكامنة فيها،ولإدراك أنها لم تخلق عبثا ولا باطلا.ومن ثم تكون الحصيلة المباشرة،للخطة الواصلة.
«رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ!» ..ما خلقت هذا الكون ليكون باطلا.ولكن ليكون حقا.الحق قوامه.والحق قانونه.والحق أصيل فيه.
إن لهذا الكون حقيقة،فهو ليس «عدما» كما تقول بعض الفلسفات! وهو يسير وفق ناموس،فليس متروكا للفوضى.وهو يمضي لغاية،فليس متروكا للمصادفة.وهو محكوم في وجوده وفي حركته وفي غايته بالحق لا يتلبس به الباطل.
هذه هي اللمسة الأولى،التي تمس قلوب «لِأُولِي الْأَلْبابِ» من التفكر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار بشعور العبادة والذكر والاتصال.وهي اللمسة التي تطبع حسهم بالحق الأصيل في تصميم هذا الكون،فتطلق ألسنتهم بتسبيح اللّه وتنزيهه عن أن يخلق هذا الكون باطلا: «رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا.سُبْحانَكَ!» ..
ثم تتوالى الحركات النفسية،تجاه لمسات الكون وإيحاءاته. «...فَقِنا عَذابَ النَّارِ.رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ.وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ...» ..فما العلاقة الوجدانية،بين إدراك ما في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار من حق،وبين هذه الارتعاشة المنطلقة بالدعاء الخائف الواجف من النار؟
إن إدراك الحق الذي في تصميم هذا الكون وفي ظواهره،معناه - عند أولي الألباب - أن هناك تقديرا وتدبيرا،وأن هناك حكمة وغاية،وأن هناك حقا وعدلا وراء حياة الناس في هذا الكوكب.ولا بد إذن من حساب ومن جزاء على ما يقدم الناس من أعمال.ولا بد إذن من دار غير هذه الدار يتحقق فيها الحق والعدل في الجزاء.
فهي سلسلة من منطق الفطرة والبداهة،تتداعى حلقاتها في حسهم على هذا النحو السريع.لذلك تقفز إلى خيالهم صورة النار،فيكون الدعاء إلى اللّه أن يقيهم منها،هو الخاطر الأول،المصاحب لإدراك الحق الكامن في هذا الوجود ..وهي لفتة عجيبة إلى تداعي المشاعر عند ذوي البصائر.
ثم تنطلق ألسنتهم بذلك الدعاء الطويل،الخاشع الواجف الراجف المنيب،ذي النغم العذب،والإيقاع المنساب،والحرارة البادية في المقاطع والأنغام! ولا بد من وقفة أمام الرجفة الأولى وهم يتجهون إلى ربهم ليقيهم عذاب النار ..لا بد من وقفة أمام قولهم: «رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ» .. «وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ» ..إنها تشي بأن خوفهم من النار،إنما هو خوف - قبل كل شيء - من الخزي الذي يصيب أهل النار.وهذه الرجفة التي تصيبهم هي أولا رجفة الحياء من الخزي الذي ينال أهل النار.فهي ارتجافة باعثها الأكبر الحياء من اللّه،فهم أشد حساسية به من لذع النار! كما أنها تشي بشعور القوي بأنه لا ناصر من اللّه،وأن الظالمين ما لهم من أنصار ..