إذا أنشئوا «الحريم» في هذه الصورة المريبة ..فليس ذلك شأن الإسلام وليس هؤلاء هم الذين يمثلون الإسلام ..إن هؤلاء إنما انحدروا إلى هذا الدرك لأنهم بعدوا عن الإسلام،ولم يدركوا روحه النظيف الكريم.
والسبب أنهم يعيشون في مجتمع لا يحكمه الإسلام،ولا تسيطر فيه شريعته.مجتمع لا تقوم عليه سلطة مسلمة،تدين للإسلام وشريعته وتأخذ الناس بتوجيهات الإسلام وقوانينه،وآدابه وتقاليده.
إن المجتمع المعادي للإسلام المتفلت من شريعته وقانونه،هو المسئول الأول عن هذه الفوضى.هو المسئول الأول عن «الحريم» في صورته الهابطة المريبة.هو المسئول الأول عن اتخاذ الحياة الزوجية مسرح لذة بهيمية.
فمن شاء أن يصلح هذه الحال فليرد الناس إلى الإسلام،وشريعة الإسلام،ومنهج الإسلام فيردهم إلى النظافة والطهارة والاستقامة والاعتدال ..من شاء الإصلاح فليرد الناس إلى الإسلام لا في هذه الجزئية ولكن في منهج الحياة كلها.فالإسلام نظام متكامل لا يعمل إلا وهو كامل شامل ..
والعدل المطلوب هو العدل في المعاملة والنفقة والمعاشرة والمباشرة.أما العدل في مشاعر القلوب وأحاسيس النفوس،فلا يطالب به أحد من بني الإنسان،لأنه خارج عن إرادة الإنسان ..وهو العدل الذي قال اللّه عنه في الآية الأخرى في هذه السورة: «وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ - وَلَوْ حَرَصْتُمْ - فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ،فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ» ..هذه الآية التي يحاول بعض الناس أن يتخذوا منها دليلا على تحريم التعدد.والأمر ليس كذلك.وشريعة اللّه ليست هازلة،حتى تشرع الأمر في آية،وتحرمه في آية،بهذه الصورة التي تعطي باليمين وتسلب بالشمال! فالعدل المطلوب في الآية الأولى والذي يتعين عدم التعدد إذا خيف ألا يتحقق هو العدل في المعاملة والنفقة والمعاشرة والمباشرة،وسائر الأوضاع الظاهرة،بحيث لا ينقص إحدى الزوجات شيء منها وبحيث لا تؤثر واحدة دون الأخرى بشيء منها ..على نحو ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أرفع إنسان عرفته البشرية،يقوم به.في الوقت الذي لم يكن أحد يجهل من حوله ولا من نسائه،أنه يحب عائشة - رضي اللّه عنها - ويؤثرها بعاطفة قلبية خاصة،لا تشاركها فيها غيرها ..فالقلوب ليست ملكا لأصحابها.إنما هي بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء .. عَنْ عَائِشَةَ،أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ وَيَقُولُ:"اللهُمَّ إنَّ هَذِهِ قِسْمَتِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ" [1] ..
ونعود فنكرر قبل أن نتجاوز هذه النقطة،أن الإسلام لم ينشئ التعدد إنما حدده.ولم يأمر بالتعدد إنما رخص فيه وقيده.وأنه رخص فيه لمواجهة واقعيات الحياة البشرية،وضرورات الفطرة الإنسانية.هذه الضرورات وتلك الواقعيات التي ذكرنا بعض ما تكشف لنا حتى الآن منها.وقد يكون وراءها غيرها
(1) - شرح مشكل الآثار - (1 / 214) (232 ) صحيح