تظهره أطوار الحياة في أجيال أخرى،وفي ظروف أخرى كذلك.كما يقع في كل تشريع أو توجيه جاء به هذا المنهج الرباني،وقصر البشر في فترة من فترات التاريخ،عن استيعاب كل ما وراءه من حكمة ومصلحة.
فالحكمة والمصلحة مفترضتان وواقعتان في كل تشريع إلهي،سواء أدركهما البشر أم لم يدركوهما،في فترة من فترات التاريخ الإنساني القصير،عن طريق الإدراك البشري المحدود! ثم ننتقل إلى الإجراء الثاني الذي تنص عليه الآية عند الخوف من عدم تحقق العدل: «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً،أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ» ..أي إنه إن خيف عدم العدل في التزوج بأكثر من واحدة تعين الاقتصار على واحدة! ولم يجز تجاوزها.
أو «ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ» من الإماء زواجا أو تسريا،فالنص لم يحدد.
ولقد سبق أن وقفنا في الجزء الثاني من هذه الظلال وقفة قصيرة أمام مسألة الرق إجمالا [1] .فلعله يحسن هنا أن نلم بمسألة الاستمتاع بالإماء خاصة.
إن الزواج من مملوكة فيه رد لاعتبار ها وكرامتها الإنسانية.فهو مؤهل من مؤهلات التحرير لها ولنسلها من سيدها - حتى ولو لم يعتقها لحظة الزواج - فهي منذ اليوم الذي تلد فيه تسمى «أم ولد» ويمتنع على سيدها بيعها وتصبح حرة بعد وفاته.أما ولدها فهو حر منذ مولده.
وكذلك عند التسري بها.فإنها إذا ولدت أصبحت «أم ولد» وامتنع بيعها،وصارت حرة بعد وفاة سيدها.وصار ولدها منه كذلك حرا إذا اعترف بنسبه،وهذا ما كان يحدث عادة.
فالزواج والتسري كلاهما طريق من طرق التحرير التي شرعها الإسلام وهي كثيرة ..على أنه قد يحيك في النفس شيء من مسألة التسري هذه.فيحسن أن نتذكر أن قضية الرق كلها قضية ضرورة - كما بينا هناك - وأن الضرورة التي اقتضت إباحة الاسترقاق في الحرب الشرعية التي يعلنها الإمام المسلم المنفذ لشريعة اللّه،هي ذاتها التي اقتضت إباحة التسري بالإماء لأن مصير المسلمات الحرائر العفيفات حين يؤسرن كان شرا من هذا المصير! على أنه يحسن ألا ننسى أن هؤلاء الأسيرات المسترقات،لهن مطالب فطرية لا بد أن يحسب حسابها في حياتهن،ولا يمكن إغفالها في نظام واقعي يراعي فطرة الإنسان وواقعه ..فإما أن تتم تلبية هذه المطالب عن طريق الزواج،وإما أن تتم عن طريق تسري السيد،ما دام نظام الاسترقاق قائما،كي لا ينشرن في المجتمع حالة من الانحلال الخلقي،والفوضي الجنسية،لا ضابط لها،حين يلبين حاجتهن الفطرية عن طريق البغاء أو المخادنة،كما كانت الحال في الجاهلية.
(1) - صفحة 230 - 231 من الجزء الثاني. ( السيد رحمه الله )