فهرس الكتاب

الصفحة 904 من 4997

أما ما وقع في بعض العصور من الاستكثار من الإماء - عن طريق الشراء والخطف والنخاسة وتجميعهن في القصور،واتخاذهن وسيلة للالتذاذ الجنسي البهيمي،وتمضية الليالي الحمراء بين قطعان الإماء،وعربدة السكر والرقص والغناء ..إلى آخر ما نقلته إلينا الأخبار الصادقة والمبالغ فيها على السواء ..أما هذا كله فليس هو الإسلام.وليس من فعل الإسلام،ولا إيحاء الإسلام.ولا يجوز أن يحسب على النظام الإسلامي،ولا أن يضاف إلى واقعه التاريخي ..

إن الواقع التاريخي «الإسلامي» هو الذي ينشأ وفق أصول الإسلام وتصوراته وشرعته وموازينه.هذا وحده هو الواقع التاريخي «الإسلامي» ..أما ما يقع في المجتمع الذي ينتسب إلى الإسلام،خارجا على أصوله وموازينه،فلا يجوز أن يحسب منه،لأنه انحراف عنه.

إن للإسلام وجوده المستقل خارج واقع المسلمين في أي جيل.فالمسلمون لم ينشئوا الإسلام،إنما الإسلام هو الذي أنشأ المسلمين.الإسلام هو الأصل،والمسلمون فرع عنه،ونتاج من نتاحه.ومن ثم فإن ما يصنعه الناس أو ما يفهمونه ليس هو الذي يحدد أصل النظام الإسلامي أو مفهوم الإسلام الأساسي.إلا أن يكون مطابقا للأصل الإسلامي الثابت المستقل عن واقع الناس ومفهومهم،والذي يقاس إليه واقع الناس في كل جيل ومفهومهم،ليعلم كم هو مطابق أو منحرف عن الإسلام.

إن الأمر ليس كذلك في النظم الأرضية التي تنشأ ابتداء من تصورات البشر،ومن المذاهب التي يضعونها لأنفسهم - وذلك حين يرتدون إلى الجاهلية ويكفرون باللّه مهما ادعوا أنهم يؤمنون به،فمظهر الإيمان الأول باللّه هو استمداد الأنظمة من منهجه وشريعته،ولا إيمان بغير هذه القاعدة الكبيرة - ذلك أن المفهومات المتغيرة للناس حينئذ،والأوضاع المتطورة في أنظمتهم،هي التي تحدد مفهوم المذاهب التي وضعوها لأنفسهم،وطبقوها على أنفسهم.

فأما في النظام الإسلامي الذي لم يصنعه الناس لأنفسهم،إنما صنعه للناس رب الناس وخالقهم ورازقهم ومالكهم ..فأما في هذا النظام فالناس إما أن يتبعوه ويقيموا أوضاعهم وفقه فواقعهم إذن هو الواقع التاريخي «الإسلامي» وإما أن ينحرفوا عنه أو يجانبوه كلية،فليس هذا واقعا تاريخيا للإسلام.إنما هو انحراف عن الإسلام! ولا بد من الانتباه إلى هذا الاعتبار عند النظر في التاريخ الإسلامي.فعلى هذا الاعتبار تقوم النظرية التاريخية الإسلامية،وهي تختلف تماما مع سائر النظريات التاريخية الأخرى،التي تعتبر واقع الجماعة الفعلي،هو التفسير العملي للنظرية أو المذهب،وتبحث عن «تطور» النظرية أو المذهب في هذا الواقع الفعلي للجماعة التي تعتنقه،وفي المفهومات المتغيرة لهذه النظرية في فكر الجماعة! وتطبيق هذه النظرة على الإسلام ينافي طبيعته المتفردة،ويؤدي إلى أخطار كثيرة،في تحديد المفهوم الإسلامي الحقيقي.

وأخيرا تفصح الآية عن حكمة هذه الإجراءات كلها ..إنها اتقاء الجور وتحقيق العدل: «ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا» ..ذلك ..البعد عن نكاح اليتيمات - إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى - ونكاح غيرهن من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت