فهرس الكتاب

الصفحة 905 من 4997

النساء - مثنى وثلاث ورباع - ونكاح الواحدة فقط - إن خفتم ألا تعدلوا - أو ما ملكت أيمانكم .. «ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا» ..أي ذلك أقرب ألا تظلموا وألا تجوروا.

وهكذا يتبين أن البحث عن العدل والقسط،هو رائد هذا المنهج،وهدف كل جزئية من جزئياته ..

والعدل أجدر أن يراعي في المحضن الذي يضم الأسرة.وهي اللبنة الأولى للبناء الاجتماعي كله،ونقطة الانطلاق إلى الحياة الاجتماعية العامة،وفيه تدرج الأجيال وهي لدنة رخصة قابلة للتكيف،فإن لم يقم على العدل والود والسلام،فلا عدل ولا ود في المجتمع كله ولا سلام [1] .

ثم يستطرد السياق في تقرير حقوق النساء - وقد أفرد لهن صدر هذه السورة وسماها باسمهن - قبل أن يستكمل الكلام عن رعاية اليتامى التي بدأ فيها: «وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً.فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا،فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا» ..وهذه الآية تنشئ للمرأة حقا صريحا،وحقا شخصيا،في صداقها.وتنبئ بما كان واقعا في المجتمع الجاهلي من هضم هذا الحق في صور شتى.واحدة منها كانت في قبض الولي لهذا الصداق وأخذه لنفسه وكأنما هي صفقة بيع هو صاحبها! وواحدة منها كانت في زواج الشغار.وهو أن يزوج الولي المرأة التي في ولايته،في مقابل أن يزوجه من يأخذها امرأة هي في ولاية هذا الآخر.واحدة بواحدة.صفقة بين الوليين لا حظ فيها للمرأتين.كما تبدل بهيمة ببهيمة! فحرم الإسلام هذا الزواج كلية وجعل الزواج التقاء نفسين عن رغبة واختيار،والصداق حقا للمرأة تأخذه لنفسها ولا يأخذه الولي! وحتم تسمية هذا الصداق وتحديده،لتقبضه المرأة فريضة لها،وواجبا لا تخلف فيه.وأوجب أن يؤديه الزوج «نحلة» - أي هبة خالصة لصاحبتها - وأن يؤديه عن طيب نفس،وارتياح خاطر.كما يؤدي الهبة والمنحة.فإذا طابت نفس الزوجة بعد ذلك لزوجها عن شيء من صداقها - كله أو بعضه - فهي صاحبة الشأن في هذا تفعله عن طيب نفس،وراحة خاطر والزوج في حل من أخذ ما طابت نفس الزوجة عنه،وأكله حلالا طيبا هنيئا مريئا.فالعلاقات بين الزوجين ينبغي أن تقوم على الرضى الكامل،والاختيار المطلق،والسماحة النابعة من القلب،والود الذي لا يبقى معه حرج من هنا أو من هناك.

وبهذا الإجراء استبعد الإسلام ذلك الراسب من رواسب الجاهلية في شأن المرأة وصداقها،وحقها في نفسها وفي مالها،وكرامتها ومنزلتها.وفي الوقت ذاته لم يجفف ما بين المرأة ورجلها من صلات،ولم يقمها على مجرد الصرامة في القانون بل ترك للسماحة والتراضي والمودة أن تأخذ مجراها في هذه الحياة المشتركة،وأن تبلل بنداوتها جو هذه الحياة.

(1) - يراجع بتوسع فصل: «سلام البيت» في كتاب «السلام العالمي والإسلام» .. «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت