فإذا انتهى من هذا الاستطراد - الذي دعا إليه الحديث عن الزواج من اليتيمات ومن غيرهن من النساء - عاد إلى أموال اليتامى يفصل في أحكام ردها إليهم،بعد أن قرر في الآية الثانية من السورة مبدأ الرد على وجه الإجمال.
إن هذا المال،ولو أنه مال اليتامى،إلا أنه - قبل هذا - مال الجماعة،أعطاها اللّه إياه لتقوم به وهي متكافلة في الانتفاع بهذا المال على أحسن الوجوه.فالجماعة هي المالكة ابتداء للمال العام،واليتامى أو مورثوهم إنما يملكون هذا المال لاستثماره - بإذن من الجماعة - ويظلون ينتفعون به وينفعون الجماعة معهم،ما داموا قادرين على تكثيره وتثميره راشدين في تصريفه وتدبيره - والملكية الفردية بحقوقها وقيودها قائمة في هذا الإطار [1] - أما السفهاء من اليتامى ذوي المال،الذين لا يحسنون تدبير المال وتثميره،فلا يسلم لهم،ولا يحق لهم التصرف فيه والقيام عليه - وإن بقيت لهم ملكيتهم الفردية فيه لا تنزع منهم - إنما يعود التصرف في مال الجماعة إلى من يحسن التصرف فيه من الجماعة.مع مراعاة درجة القرابة لليتيم،تحقيقا للتكافل العائلي،الذي هو قاعدة التكافل العام بين الأسرة الكبرى! وللسفيه حق الرزق والكسوة في ماله مع حسن معاملته: «وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيامًا،وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ،وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا» ..
ويتبين السفه والرشد - بعد البلوغ - وأمر السفه والرشد لا يخفى عادة،ولا يحتاج إلى تحديد مفهومه بالنصوص.فالبيئة تعرف الراشد من السفيه وتأنس رشد هذا وسفه ذاك،وتصرفات كل منهما لا تخفى على الجماعة فالاختبار يكون لمعرفة البلوغ،الذي يعبر عنه النص بكلمة: «النكاح» وهو الوظيفة التي يؤهل لها البلوغ: «وَابْتَلُوا الْيَتامى،حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ،فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ،وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا.وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ،وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ.فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ،وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا» ..
ويبدو من خلال النص الدقة في الإجراءات التي يتسلم بها اليتامى أموالهم عند الرشد.كذلك يبدو التشديد في وجوب المسارعة بتسليم أموال اليتامى إليهم،بمجرد تبين الرشد - بعد البلوغ - وتسليمها لهم كاملة سالمة،والمحافظة عليها في أثناء القيام عليها،وعدم المبادرة إلى أكلها بالإسراف قبل أن يكبر أصحابها فيتسلموها! مع الاستعفاف عن أكل شيء منها مقابل القيام عليها - إذا كان الولي غنيا - والأكل منها في أضيق الحدود - إذا كان الولي محتاجا - ومع وجوب الإشهاد في محضر التسليم ..وختام الآية:التذكير بشهادة اللّه وحسابه: «وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا» ..
(1) - يراجع بتوسع فصل: «سياسة المال» في كتاب: «العدالة الاجتماعية في الإسلام» . «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )