أمها،وهي أمها! وكذلك الأب الذي يشعر أن ابنه قد يخلفه على زوجته.والابن الذي يشعر أن أباه الراحل أو المطلق غريم له،لأنه سبقه على زوجته! ومثله يقال في حلائل الأبناء الذين من الأصلاب،بالنسبة لما بين الابن والأب من علاقة لا يجوز أن تشاب! أو يقال:إن علاقة الزواج جعلت لتوسيع نطاق الأسرة،ومدها إلى ما وراء رابطة القرابة.ومن ثم فلا ضرورة لها بين الأقارب الأقربين،الذين تضمهم آصرة القرابة القريبة.ومن ثم حرم الزواج من هؤلاء لانتفاء الحكمة فيه،ولم يبح من القريبات إلا من بعدت صلته،حتى ليكاد أن يفلت من رباط القرابة [1] .
وأيا ما كانت العلة،فنحن نسلم بأن اختيار اللّه لا بد وراءه حكمة،ولا بد فيه مصلحة.وسواء علمنا أو جهلنا،فإن هذا لا يؤثر في الأمر شيئا،ولا ينقص من وجوب الطاعة والتنفيذ،مع الرضى والقبول.فالإيمان لا يتحقق في قلب،ما لم يحتكم إلى شريعة اللّه،ثم لا يجد في صدره حرجا منها ويسلم بها تسليما.
ثم تبقى كلمة أخيرة عامة عن هذه المحارم،ونص التشريع القرآني المبين لها:
إن هذه المحرمات كانت محرمة في عرف الجاهلية - فيما عدا حالتين اثنتين:ما نكح الآباء من النساء،والجمع بين الأختين.فقد كانتا جائزتين - على كراهة من المجتمع الجاهلي ..
ولكن الإسلام - وهو يحرم هذه المحارم كلها - لم يستند إلى عرف الجاهلية في تحريمها.إنما حرمها ابتداء،مستندا إلى سلطانه الخاص.وجاء النص: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ ...إلخ» ..
والأمر في هذا ليس أمر شكليات إنما هو أمر هذا الدين كله.وإدراك العقدة في هذا الأمر هو إدراك لهذا الدين كله،وللأصل الذي يقوم عليه:أصل الألوهية وإخلاصها للّه وحده ..
إن هذا الدين يقرر أن التحليل والتحريم هو من شأن اللّه وحده،لأنهما أخص خصائص الألوهية.
فلا تحريم ولا تحليل بغير سلطان من اللّه.فاللّه - وحده - هو الذي يحل للناس ما يحل،ويحرم على الناس ما يحرم.وليس لأحد غيره أن يشرع في هذا وذاك،وليس لأحد أن يدعي هذا الحق.لأن هذا مرادف تماما لدعوى الألوهية!
ومن ثم فإن الجاهلية تحرم أو تحلل،فيصدر هذا التحريم والتحليل عنها باطلا بطلانا أصليا،غير قابل للتصحيح،لأنه لا وجود له منذ الابتداء.فإذا جاء الإسلام إلى ما أحلت الجاهلية أو حرمت،فهو يحكم ابتداء ببطلانه كلية بطلانا أصليا،ويعتبره كله غير قائم.بما أنه صادر من جهة لا تملك إصداره - لأنها ليست إلها - ثم يأخذ هو في إنشاء أحكامه إنشاء.فإذا أحل شيئا كانت الجاهلية تحله،أو حرم شيئا كانت الجاهلية تحرمه،فهو ينشئ هذه الأحكام ابتداء.ولا يعتبر هذا منه اعتمادا لأحكام الجاهلية التي أبطلها كلها،لأنها هي باطلة،لم تصدر من الجهة التي تملك وحدها إصدار هذه الأحكام ..وهي اللّه
(1) - كما يقول الأستاذ العقاد في كتابه: «حقائق الإسلام وأباطيل خصومه» . ( السيد رحمه الله )