فهرس الكتاب

الصفحة 945 من 4997

وإذا كانت غاية الميل الجنسي في الحيوان تنتهي عند تحقيق الاتصال الجنسي والتناسل والإكثار،فإنها في الإنسان لا تنتهي عند تحقيق هذا الهدف،إنما هي تمتد إلى هدف أبعد هو الارتباط الدائم بين الذكر والأنثى - بين الرجل والمرأة - ليتم إعداد الطفل الإنساني لحماية نفسه وحفظ حياته،وجلب طعامه وضرورياته،كما يتم - وهذا هو الأهم بالنسبة لمقتضيات الحياة الإنسانية - تربية هذا الطفل وتزويده برصيد من التجارب الإنسانية والمعرفة الإنسانية يؤهله للمساهمة في حياة المجتمع الإنساني،والمشاركة في حمل تبعته من اطراد الترقي الإنساني عن طريق الأجيال المتتابعة.

ومن ثم لم تعد اللذة الجنسية هي المقوم الأول في حياة الجنسين في عالم الإنسان إنما هي مجرد وسيلة ركبتها الفطرة فيهما ليتم الالتقاء بينهما ويطول بعد الاتصال الجنسي للقيام بواجب المشاركة في اطراد نمو النوع.ولم يعد «الهوى» الشخصي هو الحكم في بقاء الارتباط بين الذكر والأنثى.إنما الحكم هو «الواجب» ...واجب النسل الضعيف الذي يجيء ثمرة للالتقاء بينهما،وواجب المجتمع الإنساني الذي يحتم عليهما تربية هذا النسل إلى الحد الذي يصبح معه قادرا على النهوض بالتبعة الإنسانية،وتحقيق غاية الوجود الإنساني.

وكل هذه الاعتبار ات تجعل الارتباط بين الجنسين على قاعدة الأسرة،هو النظام الوحيد الصحيح.كما تجعل تخصيص امرأة لرجل هو الوضع الصحيح الذي تستمر معه هذه العلاقة.والذي يجعل «الواجب» لا مجرد اللذة ولا مجرد الهوى،هو الحكم في قيامها،ثم في استمرارها،ثم في معالجة كل مشكلة تقع في أثنائها،ثم عند فصم عقدتها عند الضرورة القصوى.

وأي تهوين من شأن روابط الأسرة،وأي توهين للأساس الذي تقوم عليه - وهو «الواجب» لإحلال «الهوى» المتقلب،و «النزوة» العارضة،و «الشهوة» الجامحة محله،هي محاولة آثمة،لا لأنها تشيع الفوضى والفاحشة والانحلال في المجتمع الإنساني فحسب،بل كذلك لأنها تحطم هذا المجتمع وتهدم الأساس الذي يقوم عليه.

ومن هنا ندرك مدى الجريمة التي تزاولها الأقلام والأجهزة الدنسة،المسخرة لتوهين روابط الأسرة،والتصغير من شأن الرباط الزوجي،وتشويهه وتحقيره،للإعلاء من شأن الارتباطات القائمة على مجرد الهوى المتقلب،والعاطفة الهائجة،والنزوة الجامحة.وتمجيد هذه الارتباطات،بقدر الحط من الرباط الزوجي! كما ندرك مدى الحكمة والعمق في قول عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - لرجل أراد أن يطلق زوجته،معللا ذلك بأنه لم يعد يحبها: «ويحك! ألم تبن البيوت إلا على الحب؟ فأين الرعاية؟ وأين التذمم؟» ..مستمدا قولته هذه من توجيه اللّه سبحانه وتربية القرآن الكريم لتلك الصفوة المختارة من عباده: «وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل اللّه فيه خيرا كثيرا» ..وذلك للإمساك بالبيوت - ما أمكن - ومقاومة نزوات القلوب،وعلاجها حتى تفيء ،وعدم بت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت