«واقع الإنسان» كله،لأنه يعلم «حقيقة الإنسان» كلها.هو الذي خلقه ويعلم ما توسوس به نفسه .. «أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» ؟
وقد كان في المجتمع المسلم الأول رقيق يتخلف من الحروب ريثما يتم تدبير أمره ..إما بإطلاق سراحه امتنانا عليه بلا مقابل.وإما فداء مقابل إطلاق سراح أسارى المسلمين،أو مقابل مال - حسب الملابسات والظروف المنوعة فيما بين المسلمين وأعدائهم المحاربين - وقد عالج الإسلام هذا الواقع بإباحة مباشرة ملك اليمين - كما جاء في الآية السابقة - لمن هن ملك يمينه.لمواجهة واقع فطرتهن كما أسلفنا.مباشرتهن إما بزواج منهن - إن كن مؤمنات - أو بغير زواج،بعد استبراء أرحام المتزوجات منهن في دار الحرب،بحيضة واحدة ..ولكنه لم يبح لغير سادتهن مباشرتهن إلا أن يكون ذلك عن طريق الزواج.لم يبح لهن أن يبعن أعراضهن في المجتمع لقاء أجر ولا أن يسرحهن سادتهن في المجتمع يزاولن هذه الفاحشة لحسابهم كذلك!
وفي هذه الآية ينظم طريقة نكاحهن والظروف المبيحة لهذا النكاح: « وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ،فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ» ..
إن الإسلام يؤثر الزواج من حرة في حالة الطول - أي القدرة على نكاح الحرة - ذلك أن الحرة تحصنها الحرية وتعلمها كيف تحفظ عرضها،وكيف تصون حرمة زوجها.فهن «محصنات» هنا - لا بمعنى متزوجات،فقد سبق تحريم نكاح المتزوجات - ولكن بمعنى حرائر،محصنات بالحرية وما تسبغه على الضمير من كرامة،وما توفره للحياة من ضمانات.فالحرة ذات أسرة وبيت وسمعة ولها من يكفيها،وهي تخشى العار،وفي نفسها أنفة وفي ضميرها عزة،فهي تأبى السفاح والانحدار.ولا شيء من هذا كله لغير الحرة.ومن ثم فهي ليست محصنة،وحتى إذا تزوجت،فإن رواسب من عهد الرق تبقى في نفسها،فلا يكون لها الصون والعفة والعزة التي للحرة.فضلا على أنه ليس لها شرف عائلي تخشى تلويثه ..مضافا إلى هذا كله أن نسلها من زوجها كان المجتمع ينظر إليهم نظرة أدنى من أولاد الحرائر.فتعلق بهم هجنة الرق في صورة من الصور ..وكل هذه الاعتبار ات كانت قائمة في المجتمع الذي تشرع له هذه الآية ..لهذه الاعتبار ات كلها آثر الإسلام للمسلمين الأحرار ألا يتزوجوا من غير الحرائر،إذا هم استطاعوا الزواج من الحرائر.وجعل الزواج من غير الحرة رخصة في حالة عدم الطول.مع المشقة في الانتظار.ولكن إذا وجدت المشقة،وخاف الرجال العنت.عنت المشقة أو عنت الفتنة.فإن الدين لا يقف أمامهم يذودهم عن اليسر والراحة والطمأنينة.فهو يحل - إذن - الزواج من المؤمنات غير الحرائر اللواتي في ملك الآخرين.
ويعين الصورة الوحيدة التي يرضاها للعلاقة بين الرجال الأحرار وغير الحرائر،وهي ذاتها الصورة التي رضيها من قبل في زواج الحرائر:فأولا يجب أن يكن مؤمنات: « فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ» ..