قوام وسط.يلحظ كل المؤثرات وكل الملابسات.كذلك لم يجعل من انحطاط درجة الرقيق سببا في مضاعفة العقوبة،كما كانت قوانين الجاهلية السائدة في الأرض كلها تصنع مع الطبقات المنحطة والطبقات الراقية أو مع الوضعاء والأشراف تخفف عن الأشراف،وتقسو على الضعاف.
كان المعمول به في القانون الروماني الشهير أن تشدد العقوبة كلما انحطت الطبقة.فكان يقول: «ومن يستهو أرملة مستقيمة أو عذراء،فعقوبته - إن كان من بيئة كريمة - مصادرة نصف ماله.وإن كان من بيئة ذميمة فعقوبته الجلد والنفي من الأرض» [1] .
وكان المعمول به في القانون الهندي الذي وضعه «منو» وهو القانون المعروف باسم «منوشاستر» أن البرهمي إن استحق القتل،فلا يجوز للحاكم إلا أن يحلق رأسه.أما غيره فيقتل! وإذا مد أحد المنبوذين إلى برهمي يدا أو عصا ليبطش به قطعت يده ...إلخ [2]
وعَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِى سَرَقَتْ،فَقَالَ وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلاَّ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ،حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « أَتَشْفَعُ فِى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ » .ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ،ثُمَّ قَالَ « إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ،وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ،وَايْمُ اللَّهِ،لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا » [3] .
وجاء الإسلام ليضع الحق في نصابه وليأخذ الجاني بالعقوبة،مراعيا جميع اعتبار ات «الواقع» .وليجعل حد الأمة - بعد الإحصان - نصف حد الحرة قبل الإحصان.فلا يترخص فيعفيها من العقوبة،ويجعل إرادتها ملغاة كلية من ارتكاب الفعل تحت وطأة الظروف.فهذا خلاف الواقع.ولا يغفل واقعها كذلك فيعاقبها عقاب الحرة - وواقعها يختلف عن واقع الحرة.ولا يتشدد تشدد الجاهلية مع الضعاف دون الأشراف!!!
وما تزال الجاهلية الحديثة في أمريكا وفي جنوب إفريقية وفي غيرها تزاول هذه التفرقة العنصرية،وتغفر للأشراف «البيض» ما لا تغفره للضعاف «الملونين» والجاهلية هي الجاهلية حيث كانت.والإسلام هو الإسلام ..حيث كان ..
ثم تنتهي الآية ببيان أن الزواج من الإماء رخصة لمن يخشى المشقة أو الفتنة.فمن استطاع الصبر - في غير مشقة ولا فتنة - فهو خير.لما أسلفناه من الملابسات التي تحيط بالزواج من الإماء: «ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ.وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ.وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..
(1) - مدونة جوستنيان ترجمة عبد العزيز فهمي. ( السيد رحمه الله )
(2) - ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين - (1 / 70) ( السيد رحمه الله )
(3) - صحيح البخارى- المكنز - (3475 )