فهرس الكتاب

الصفحة 954 من 4997

وكلها لمسات واعتبار ات تحمل طابع التكريم لإنسانية هؤلاء الفتيات،حتى وهن في هذا الوضع،الذي اقتضته ملابسات وقتية،لا تطعن في أصل الكرامة الإنسانية.

وحين يقاس هذا التكريم إلى ما كان سائدا في جاهلية الأرض كلها يومذاك من النظرة إلى الرقيق،وحرمانه حق الانتساب إلى «إنسانية» السادة! وسائر الحقوق التي تترتب على هذه «الإنسانية» ..يبدو مدى النقلة التي نقل الإسلام إليها كرامة «الإنسان» وهو يرعاها في جميع الأحوال،بغض النظر عن الملابسات الطارئة التي تحد من أوضاع بعض الأناسي،كوضع الاسترقاق.

ويبدو مدى النقلة البعيدة حين يقاس صنيع الإسلام هذا،وتنظيمه لأوضاع هذه الحالة الطارئة بما تصنعه الجيوش الفاتحة في هذه الجاهلية الحديثة بنساء وفتيات البلاد المفتوحة.وكلنا يعرف حكاية «الترفيه» أو قصة الوحل الذي تلغ فيه جيوش الجاهلية الفاتحة في كل مكان! وتخلفه وراءها للمجتمع حين ترحل يعاني منه السنوات الطوال! ثم يقرر الإسلام عقوبة مخففة على من ترتكب الفاحشة من هؤلاء الفتيات بعد إحصانها بالزواج،واضعا في حسابه واقعها وظروفها التي تجعلها أقرب إلى السقوط في الفاحشة،وأضعف في مقاومة الإغراء من الحرة،مقدرا أن الرق يقلل من الحصانة النفسية،لأنه يغض من الشعور بالكرامة،والشعور بشرف العائلة - وكلاهما شعور يثير الإباء في نفس الحرة - كما يقدر الحالة الاجتماعية والاقتصادية،واختلافها بين الحرة والأمة،وأثرها في جعل هذه أكثر تسامحا في عرضها،وأقل مقاومة لإغراء المال وإغراء النسب ممن يراودها عن نفسها! يقدر الإسلام هذا كله فيجعل حد الأمة - بعد إحصانها - نصف حد الحرة المحصنة بالحرية قبل زواجها.

«فَإِذا أُحْصِنَّ.فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ،فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ» .ومفهوم أن النصف يكون من العقوبة التي تحتمل القسمة.وهي عقوبة الجلد.ولا يكون في عقوبة الرجم.

إذ لا يمكن قسمتها! فإذا زنت الجارية المؤمنة المتزوجة عوقبت بنصف ما تعاقب به الحرة البكر.أما عقوبة الجارية البكر فمختلف عليها بين الفقهاء.هل تكون هذا الحد نفسه - وهو نصف ما على الحرة البكر - ويتولاه الإمام؟ أم تكون تأديبا يتولاه سيدها ودون النصف من الحد؟ وهو خلاف يطلب في كتب الفقه.

أما نحن - في ظلال القرآن - فنقف أمام مراعاة هذا الدين لواقع الناس وظروفهم،في الوقت الذي يأخذ بأيديهم في المرتقى الصاعد النظيف.

إن هذا الدين يأخذ في اعتبار ه - كما قلنا - واقع الناس،دون أن يدعهم يتلبطون في الوحل باسم هذا الواقع! وقد علم اللّه ما يحيط بحياة الرقيق من مؤثرات.تجعل الواحدة - ولو كانت متزوجة - أضعف من مقاومة الإغراء والوقوع في الخطيئة.فلم يغفل هذا الواقع ويقرر لها عقوبة كعقوبة الحرة.ولكن كذلك لم يجعل لهذا الواقع كل السلطات،فيعفيها نهائيا من العقوبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت