..أما عقوبة الحبس فلا تقوم على أساس من العلم ولا التجربة،ولا تتفق مع منطق العقول ولا طبائع الأشياء.
«إن أساس عقوبة القطع هو دراسة نفسية الإنسان وعقليته.فهي إذن عقوبة ملائمة للأفراد،وهي في الوقت ذاته صالحة للجماعة،لأنها تؤدي إلى تقليل الجرائم،وتأمين المجتمع.وما دامت العقوبة ملائمة للفرد وصالحة للجماعة،فهي أفضل العقوبات وأعدلها» .
«ولكن ذلك كله لا يكفي عند بعض الناس لتبرير عقوبة القطع،لأنهم يرونها - كما يقولون - عقوبة موسومة بالقسوة.وتلك حجتهم الأولى والأخيرة.وهي حجة داحضة.فإن اسم العقوبة مشتق من العقاب،ولا يكون العقاب عقابا إذا كان موسوما بالرخاوة والضعف،بل يكون لعبا أو عبثا أو شيئا قريبا من هذا.فالقسوة لا بد أن تتمثل في العقوبة حتى يصح تسميتها بهذا الاسم» [1] .
واللّه - سبحانه - وهو أرحم الراحمين يقول وهو يشدد عقوبة السرقة: «فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ ..» فهي تنكيل من اللّه رادع.والردع عن ارتكاب الجريمة رحمة بمن تحدثه نفسه بها،لأنه يكفه عنها.ورحمة بالجماعة كلها لأنه يوفر لها الطمأنينة ..ولن يدعي أحد أنه أرحم بالناس من خالق الناس،إلا وفي قلبه عمى،وفي روحه انطماس! والواقع يشهد أن عقوبة القطع لم تطبق في خلال نحو قرن من الزمان في صدر الإسلام إلا في آحاد لأن المجتمع بنظامه،والعقوبة بشدتها،والضمانات بكفايتها لم تنتج إلا هذه الآحاد.
ثم يفتح اللّه باب التوبة لمن يريد أن يتوب،على أن يندم ويرجع ويكف ثم لا يقف عند هذه الحدود السلبية،بل يعمل عملا صالحا،ويأخذ في خير إيجابي: «فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ،فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ،إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..فالظلم عمل إيجابي شرير مفسد ولا يكفي أن يكف الظالم عن ظلمه ويقعد:بل لا بد أن يعوضه بعمل إيجابي خير مصلح ..على أن الأمر في المنهج الرباني أعمق من هذا ..فالنفس الإنسانية لا بد أن تتحرك،فإذا هي كفت عن الشر والفساد ولم تتحرك للخير والصلاح بقي فيها فراغ وخواء قد يرتدان بها إلى الشر والفساد.فأما حين تتحرك إلى الخير والصلاح فإنها تأمن الارتداد إلى الشر والفساد بهذه الإيجابية وبهذا الامتلاء ..إن الذي يربّي بهذا المنهج هو اللّه ..الذي خلق والذي يعلم من خلق ..
وعلى ذكر الجريمة والعقوبة،وذكر التوبة والمغفرة،يعقب السياق القرآني بالمبدأ الكلي الذي تقوم عليه شريعة الجزاء في الدنيا والآخرة.فخالق هذا الكون ومالكه هو صاحب المشيئة العليا فيه،وصاحب السلطان الكلي في مصائره.هو الذي يقرر مصائره ومصائر من فيه،كما أنه هو الذي يشرّع للناس في
(1) - بعضهم يزاول الكسب في محبسه بطرق شتى حتى لتربو مكاسبه في محبسه عليها في خارجه! ( السيد رحمه الله )