فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 4997

في هذا الحب،ولا يعدلون فيه ؛ حيث إنهم لا يرون إلا الحسنات ويغمضون أعينهم عن الأخطاء والسيئات ويبررونها ويؤولونها،وكأن من أحبوه لا يجوز عليه الخطأ،وهذا غلو واعتداء في الحب،قد يؤدي إلى الغلو في الرجال وتقديسهم،وفرق بين التقدير والتقديس . وفي مقابل ذلك إذا أبغضوا شخصًا أو هيئة ما فإن هذا الكره ينسيهم كل الحسنات والإيجابيات،أو أنهم يشككون في نوايا فاعليها،في الوقت الذي لا يذكرون إلا الأخطاء مع التضخيم والتهويل لها،ومعلوم ما في ذلك من ظلم واعتداء ومجانبة للعدل والإنصاف،وما أظن أحدًا من المسلمين يوافق على هذا المنهج الجائر،لكن القناعات النظرية شيء والتزامها في الواقع شيء آخر !!.

بقي أن نعرف أن المنهج الشرعي في مثل هذه المواقف،هو الشهادة

للمحسن أنه محسن،ويذكر له ذلك بتجرد وإنصاف،والشهادة للمسيء بأنه مسيء،والنصح له في ذلك وتلمس العذر ـ إن كان ثمة عذر شرعي ـ لإساءته ( كما سبق في المنهج الشرعي لمعالجة الأخطاء) ،والانتباه إلى أن كل بني آدم خطاء،وكلٌ يؤخذ من قوله ويرد ؛ إلا المعصوم لله،وأن الاعتدال في الحب والكره من لوازم قول الله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ) ) (النساء:135)

ويا ليتنا نرجع إلى سيرة سلفنا الصالح ـ رضي الله عنهم ـ،وكيف كانوا في مواقفهم مع المخالفين!،وكيف كانوا يقومون الرجال!،فلقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الرحمن بن شماسة،قال:أتيت عائشة أسألها عن شيء،فقالت:ممن أنت ؟ فقال:رجل من أهل مصر،فقالت:كيف صاحبكم لكم في غزاتكم ؟ فقال:ما نقمنا منه شيئًا ؛ إن كان ليموت للرجل البعير فيعطيه البعير،والعبد فيعطيه العبد،ويحتاج إلى النفقة فيعطيه النفقة،فقالت:أما إنه لا يمنعني الذي فعل في محمد بن أبي بكر أن أخبرك:سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول وفي بيتي هذا: (( اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه،ومن ولي من أمر أمتي فَرَفَق بهم فارفق به ) ) [1] .

ويعلق الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث بقوله: (( وفيه أنه ينبغي أن يذكر فضل أهل العلم،ولا يمنع منه سبب عداوة ونحوها ) ) [2] .

وهذا الإمام ابن كثير رحمه الله،يقول في ترجمته لشيخ الإسلام ابن تيمية بعد كلام طويل: (( وبالجملة كان رحمه الله من كبار العلماء،وممن يخطئ ويصيب،ولكن خطؤه بالنسبة إلى صوابه كنقطة في بحر لجي،وخطؤه مغفور له،كما في صحيح البخاري عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ،أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ

(1) رواه مسلم في الإمارة ( 1828 ) .

(2) شرح مسلم للنووي ( 12 / 212 ) ط . دار الكتب العلمية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت