فهرس الكتاب
في وجه «المادية» .وعلى هذا الأساس ربما أشاد به بعض المخدوعين من «المسلمين» واستأنسوا بأقواله لدينهم كأنما ليؤازروا دين اللّه بقول عبد من العبيد ..هذا الفيلسوف هو «برجسون» ..اليهودي!!! إنه يقول:إن هذا الوجود الكوني لم يسبقه عدم! وإن فرض الوجود بعدم العدم ناشئ من طبيعة العقل البشري الذي لا يستطيع أن يتصور إلا على هذا النحو ..
فإلى أي منطق يا ترى يستند برجسون إذن في إثبات أن الوجود الكوني لم يسبقه عدم؟
إلى العقل؟ لا.فإن العقل - كما يقرر - لا يمكن أن يتصور إلا وجودا بعد عدم! إلى وحي من اللّه؟
إنه لا يدعي هذا.وإن كان يقول:إن حدس المتصوفة كان دائما يجد إلها ولا بد أن نصدق هذا الحدس المطرد (الإله الذي يتحدث عنه برجسون ليس هو اللّه إنما هو الحياة!) ..فأين المصدر الثالث الذي يعتمد عليه (برجسون) إذن في إثبات أن الوجود الكوني غير مسبوق بعدم؟ لا ندري! إنه لا بد من الالتجاء إلى تصور خالق خلق هذا الكون ..لا بد من الالتجاء إلى هذا التصور لتعليل مجرد وجود الكون ..فكيف إذا كان الحال أنه لم يوجد مجرد وجود.ولكنه وجد محكوما بنواميس لا تتخلف،محسوبا فيها كل شيء بمقاييس،قصارى العقول البشرية أن تدرك أطرافا منها،بعد التدبر الطويل؟! [1]
ولكن «المثاليين» منهم اختاروا «العقل» ليعطوه كل خصائص اللّه وصفاته! و «الماديين» منهم اختاروا «الطبيعة» ليعطوها هذه الخصائص والصفات،لأنه لم يكن لهؤلاء ولا لهؤلاء مفر من افتراض شيء فوق الطاقة البشرية يكلون إليه تفسير هذا الوجود وما يجري فيه ..وفقط كانوا يريدون انكار اللّه.ليخلصوا من قبضة الكنيسة!!!
كذلك نشأة هذه الحياة.والمسافة بينها وبين المادة - أيا كان مدلول المادة ولو كان هو الإشعاع - لا يمكن تعليلها إلا بتصور وجود إله خالق مدبر.يخلق الكون بحالة تسمح بنشأة الحياة فيه وتسمح بكفالة الحياة أيضا بعد وجودها.والحياة الإنسانية بخصائصها الباهرة درجة فوق مجرد الحياة ..وأصله من طين ..أي من مادة هذه الأرض وجنسها ولا بد من إرادة مدبرة تمنحه الحياة،وتمنحه خصائص الإنسان عن قصد واختيار.
وكل المحاولات التي بذلها الملحدون لتعليل نشأة الحياة باءت بالفشل - عند العقل البشري ذاته - وآخر ما قرأته في هذا الباب محاولة (ديورانت) المتفلسف الأمريكي للتقريب بين نوع الحركة الذي في الذرة - وهو يسميه درجة من الحياة - ونوع الحياة المعروف في الأحياء.وذلك في جهد مستميت لملء الفجوة بين المادة الهامدة والحياة النابضة.بقصد الاستغناء عن الإله الذي ينشئ الحياة في الموات! ولكن هذه المحاولة المستميتة لا تنفعه ولا تنفع الماديين في شيء ..ذلك أنه إن كانت الحياة صفة كامنة
(1) - الهاربون من الكنيسة التي كانت تستطيل على رقاب العباد باسم «اللّه» كان كل همهم في القرن الثامن عشر والتاسع عشر إنكار «اللّه» ( السيد رحمه الله )